أصبح البروتين حاضرًا بقوة في المنتجات الغذائية الحديثة، من خلطات الفطائر وألواح الوجبات الخفيفة إلى المشروبات الجاهزة. بالتزامن مع انتشار نصائح اللياقة البدنية التي تشجع على زيادة استهلاكه. لكن الحصول على كمية أكبر من البروتين لا يعني بالضرورة فوائد صحية أكبر. إذ تعتمد الاحتياجات الفعلية على عمر الشخص وحالته الصحية ومستوى نشاطه البدني ومصادر البروتين التي يعتمد عليها.
ويعد البروتين من المغذيات الكبرى الأساسية، إذ يستخدمه الجسم في بناء العضلات والأنسجة وإنتاج العديد من الهرمونات والإنزيمات والأجسام المضادة. ويفكك البروتين الغذائي إلى أحماض أمينية، يستخدمها الجسم لإنتاج البروتينات الضرورية لمختلف وظائفه.

وتشير التوصيات التقليدية إلى حاجة البالغين إلى نحو 0.8 غرام من البروتين لكل كيلوغرام من وزن الجسم يوميًا. بينما تبلغ توصية منظمة الصحة العالمية نحو 0.83 غرام لكل كيلوغرام يوميًا. وفي المقابل، اقترحت الإرشادات الغذائية الأمريكية المحدثة في يناير 2026 نطاقًا أعلى يتراوح بين 1.2 و1.6 غرام لكل كيلوغرام من وزن الجسم يوميًا.
لكن هذه التوصيات لا تعني أن الجميع بحاجة إلى البحث عن منتجات تحمل عبارة «غني بالبروتين». فمعظم الأشخاص يحصلون على كميات كافية من خلال نظام غذائي متوازن. بينما قد يحتاج بعض الفئات إلى كميات أكبر، مثل الرياضيين الذين يمارسون تدريبات مكثفة، وكبار السن الذين يسعون إلى الحفاظ على الكتلة العضلية. أو الأشخاص الذين يحتاجون إلى دعم التعافي بعد بعض الإجراءات الطبية.
متى تكون زيادة البروتين مفيدة؟
يمكن أن يكون البروتين الإضافي مفيدًا بشكل خاص للأشخاص الذين يمارسون تدريبات المقاومة ويسعون إلى بناء العضلات أو الحفاظ عليها. وتشير الأدلة التي يستند إليها خبراء في فسيولوجيا الرياضة إلى أن الفوائد المتعلقة ببناء العضلات لا تستمر في الارتفاع بشكل كبير مع زيادة الاستهلاك إلى ما بعد نحو 1.6 غرام لكل كيلوغرام من وزن الجسم يوميًا لدى معظم الرياضيين.
ويظل النشاط البدني عنصرًا أساسيًا، إذ لا يمكن لتعويض نقص الحركة بزيادة البروتين أن يحقق الفوائد نفسها. التي يوفرها الجمع بين التغذية المناسبة والتمارين الرياضية.

وفي المقابل، لا يعني تناول البروتين بكميات كبيرة أن الجسم يخزنه لاستخدامه لاحقًا بالطريقة نفسها التي يخزن بها الدهون. فعندما لا يحتاج الجسم إلى الأحماض الأمينية المتاحة لبناء البروتينات. يمكن أن تستخدم في إنتاج الطاقة أو تدخل في مسارات أيضية أخرى.
وبالنسبة للأشخاص الأصحاء، تستطيع الكلى والكبد عادة التعامل مع كمية البروتين التي يحصل عليها الجسم. إلا أن الأشخاص الذين يعانون من أمراض في الكلى أو الكبد أو اضطرابات معينة في استقلاب الأحماض الأمينية قد يحتاجون إلى أنظمة غذائية خاصة تحت إشراف المختصين.
هل يمكن أن يكون تناول كمية أقل من البروتين مفيدًا؟
على الجانب الآخر، تثير مجموعة متزايدة من الأبحاث احتمال وجود فوائد صحية لتقييد البروتين، خصوصًا فيما يتعلق بالشيخوخة. إلا أن الجزء الأكبر من هذه الأدلة يأتي من الدراسات التي أجريت على الحيوانات، ولذلك لا يمكن تطبيق نتائجها مباشرة على البشر.
وتشير بعض الدراسات إلى أن خفض البروتين قد يؤثر في مسارات بيولوجية مرتبطة بالشيخوخة. من بينها مسار mTOR، الذي يرتبط بتنظيم نمو الخلايا واستجابتها لتوفر المغذيات. كما ارتبط انخفاض البروتين في بعض النماذج الحيوانية بزيادة إفراز عامل النمو FGF21. الذي تتم دراسته لدوره المحتمل في تنظيم عملية الأيض والحماية من بعض التغيرات المرتبطة بالتقدم في العمر.

كما تشير الأبحاث الحيوانية إلى تأثيرات محتملة على الميتوكوندريا والخلايا الهرمة. وهي خلايا تتراكم مع التقدم في العمر ويمكن أن ترتبط بالالتهاب واضطراب وظائف الأنسجة.
ومع ذلك، لا تزال هذه النتائج بحاجة إلى مزيد من البحث لدى البشر، خصوصًا أن الدراسات البشرية المتاحة محدودة وقصيرة نسبيًا. كما أن خفض البروتين بصورة مبالغ فيها قد يثير مخاوف تتعلق بصحة العضلات والعظام والقدرة البدنية.
جودة البروتين أهم من مجرد كميته
لا يتعلق الأمر بكمية البروتين فقط، بل أيضًا بمصدره وجودة النظام الغذائي الذي يأتي معه. فزيادة البروتين من خلال الأطعمة شديدة المعالجة لا تجعل النظام الغذائي صحيًا تلقائيًا.
ويرى خبراء التغذية أن الحصول على البروتين من مجموعة متنوعة من الأطعمة الكاملة قد يكون خيارًا أفضل من الاعتماد المستمر على المنتجات المصنعة التي تُسوّق باعتبارها «عالية البروتين». فإضافة البروتين إلى الحلويات أو الوجبات الخفيفة لا تلغي بالضرورة ما تحتويه هذه المنتجات من سكريات أو دهون أو مكونات أخرى.

وتوفر مصادر البروتين النباتية، مثل البقوليات والحبوب الكاملة وفول الصويا والكينوا والمكسرات والبذور، إلى جانب البروتين، عناصر غذائية أخرى مهمة، وعلى رأسها الألياف.
البروتين النباتي خيار متكامل
كان الاعتقاد السائد سابقًا أن البروتين الحيواني أفضل دائمًا من النباتي، بسبب سهولة هضمه واحتوائه على نسب متوازنة من الأحماض الأمينية الأساسية. إلا أن الخبراء يشيرون إلى أن الحصول على مجموعة متنوعة من المصادر النباتية على مدار اليوم يمكن أن يوفر الأحماض الأمينية التي يحتاجها الجسم.
كما أظهرت أبحاث حديثة أن الأنظمة الغذائية النباتية لا تمنع بناء العضلات لدى الأشخاص الذين يمارسون تمارين المقاومة، ما دام النظام يوفر كمية كافية من البروتين والطاقة والعناصر الغذائية الأساسية.
وفي المقابل، قد يرتبط الإفراط في تناول بعض المصادر الحيوانية، خصوصًا عند الاعتماد الكبير على اللحوم المصنعة، بمخاطر صحية مرتبطة بالنظام الغذائي ككل. كما تفتقر اللحوم إلى الألياف الموجودة في البقوليات والحبوب الكاملة، وهي عناصر مهمة لصحة الجهاز الهضمي وتنظيم مستويات السكر والكوليسترول.

لا تنخدع بعبارة «غني بالبروتين»
شهدت الأسواق خلال السنوات الأخيرة ارتفاعًا كبيرًا في عدد المنتجات التي تركز على محتواها من البروتين، إلا أن ذلك لا يعني أن جميعها خيارات صحية. وقد يدفع التركيز المبالغ فيه على البروتين المستهلكين إلى اختيار منتجات مصنعة بدلًا من الأطعمة الكاملة.
لذلك، ينصح الخبراء بالنظر إلى القيمة الغذائية الكاملة للطعام بدل التركيز على كمية البروتين وحدها. فاختيار العدس أو الفاصوليا أو الحبوب الكاملة، على سبيل المثال، يوفر البروتين إلى جانب الألياف والفيتامينات والمعادن. بينما قد يوفر المنتج المصنع البروتين فقط مع كميات مرتفعة من السكر أو الدهون أو الملح.

لا توجد كمية واحدة مثالية من البروتين تناسب الجميع. فالاحتياج يختلف باختلاف العمر والنشاط البدني والحالة الصحية والأهداف الغذائية. والأهم هو الحفاظ على نظام غذائي متنوع ومتوازن، مع توزيع مصادر البروتين بين الأطعمة النباتية والحيوانية وفق الاحتياجات الفردية. بدل الانسياق وراء الاعتقاد بأن المزيد من البروتين يعني دائمًا صحة أفضل.















