لا تنتظر من طفلك الكمال.. كيف يساعده الثناء على التقدم؟

قد يعتقد بعض الآباء أن الثناء يجب أن يأتي بعد الإنجاز، وأن الطفل لا يستحق التشجيع إلا عندما ينجز ما يُطلب منه بالشكل الصحيح. لكن هذه النظرة قد تغفل جانبًا مهمًا من عملية التعلم؛ فالطفل لا يحتاج إلى التقدير عندما يصل إلى الهدف فحسب، بل قد يحتاج إليه أكثر خلال محاولاته الأولى، حين يتعثر ويخطئ ويحاول اكتساب مهارة جديدة.

ولا يعني تشجيع الطفل مكافأته على كل تصرف يقوم به، أو إعفاءه من المسؤولية والتوجيه، بل استخدام الثناء لمساعدته على فهم السلوكيات الإيجابية التي ينبغي أن يكررها، وتعزيز ثقته بقدرته على التطور تدريجيًا.

الثناء أثناء التعلم لا بعد النجاح فقط

عندما يتعلم الطفل مهارة جديدة، سواء كانت ارتداء ملابسه بمفرده أو ترتيب ألعابه أو الانتظار حتى ينتهي الآخرون من الحديث، فإنه يحتاج إلى وقت وممارسة حتى يتمكن من إتقانها. وإذا انتظر الوالدان ظهور النتيجة المثالية قبل التعبير عن رضاهما، فقد تمر محاولات كثيرة من دون أن يتلقى الطفل أي تشجيع.

Story pin image
Credit: GettyImages/RgStudio

وفي المقابل، يمكن للثناء أن يسلط الضوء على الخطوات الصغيرة التي تقربه من السلوك المطلوب. فالطفل الذي يحاول ترتيب غرفته، حتى إن لم يُكمل المهمة، يستحق أن يسمع كلمات تقدر مبادرته والجزء الذي أنجزه. والطفل الذي ينجح في انتظار دوره لبضع لحظات، بعد أن اعتاد المقاطعة، يستحق التقدير على هذا التقدم.

ولا تقتصر أهمية هذا الأسلوب على منح الطفل شعورًا إيجابيًا، بل تساعده الملاحظات المحددة على فهم ما فعله بصورة صحيحة، وما يمكنه مواصلته أو تطويره في المرات المقبلة.

لماذا قد يؤدي التركيز على الأخطاء إلى نتائج عكسية؟

غالبًا ما يلجأ الآباء إلى التصحيح المتكرر بدافع الحرص على تعليم أطفالهم السلوك المناسب، لكن كثرة الملاحظات السلبية، من دون تشجيع موازٍ، قد تجعل الطفل يشعر بأن أخطاءه هي الجانب الوحيد الذي يلاحظه الكبار.

ومع مرور الوقت، قد يصبح أكثر حساسية للنقد أو أقل استعدادًا لتجربة سلوك جديد خوفًا من الفشل. كما أن الاهتمام الذي يحصل عليه الطفل نتيجة التصرف غير المرغوب فيه قد يسهم أحيانًا في تكراره، خصوصًا إذا كان يسعى إلى جذب انتباه والديه بأي طريقة.

kid who takes pride in his work high-fiving his teacher
PeopleImages.com – Yuri A | Shutterstock

لهذا، لا يتعلق الأمر بالتوقف عن التصحيح، بل بتحقيق توازن بين توضيح ما يحتاج إلى التغيير والإشارة إلى ما يفعله الطفل بصورة جيدة. فبدلًا من الاكتفاء بقول «أنت لا تستمع عندما أتحدث»، يمكن للوالد أن يثني على اللحظة التي ينتظر فيها الطفل حتى ينتهي من كلامه، ثم يرشده بهدوء إلى محاولة الانتظار مدة أطول في المرة التالية.

كيف تمدح طفلك بطريقة تساعده على التطور؟

ابدأ بالخطوات الصغيرة

 لا تجعل السلوك المثالي هو المعيار الوحيد للثناء، بل انتبه إلى المحاولات التي تقرّب الطفل منه. فإذا كان يجد صعوبة في ترتيب أغراضه، يمكنك تقدير مبادرته إلى جمع ألعابه، ثم تشجيعه تدريجيًا على إكمال المهمة.

اجعل الثناء محددًا وواضحًا

 بدلًا من الاكتفاء بعبارة عامة مثل «أحسنت»، أخبر طفلك بما أعجبك تحديدًا: «أعجبني أنك رتبت كتبك قبل أن تبدأ اللعب» أو «لاحظت أنك انتظرت حتى أنتهي من الحديث». بهذه الطريقة، يفهم الطفل السلوك الذي تستحق محاولته التكرار.

This may contain: a woman and child sitting at a table in front of a laptop computer

ركز على الجهد والإستراتيجية

من المفيد تقدير المثابرة، ومحاولة إيجاد حل، والعودة إلى المهمة بعد التعثر، بدلًا من ربط الثناء بالنتيجة وحدها. ويساعد ذلك الطفل على إدراك أن بإمكانه تطوير مهاراته بالتعلم والممارسة.

ارفع التوقعات تدريجيًا

 عندما يتحسن الطفل في سلوك معين، يمكنك الانتقال إلى خطوة أكثر تقدمًا. فإذا استطاع الانتظار لبضع ثوانٍ قبل المقاطعة، شجعه على الانتظار مدة أطول لاحقًا، مع مراعاة عمره وقدرته على ضبط نفسه.

صحح من دون إحراج

عندما يحتاج الطفل إلى توجيه إضافي، احرص على ألا يتحول التصحيح إلى مقارنة مع إخوته أو أقرانه، أو إلى تعليقات تقلل من قدراته. ويمكن تقديم الملاحظات الحساسة على انفراد، مع توضيح ما يمكن فعله بصورة مختلفة في المرة المقبلة.

The Right and Wrong Way to Praise Your Child iStock image: Happy father and son looking at fathers paperwork at home office.

راعِ عمر طفلك وقدراته

لا يتعلم جميع الأطفال بالوتيرة نفسها، ولا يستطيع الطفل دائمًا التحكم في سلوكه بالطريقة التي يتوقعها منه الكبار. لذلك، من المفيد أن يسأل الوالدان نفسيهما عما يمكن توقعه بصورة واقعية في المرحلة العمرية التي يمر بها الطفل. بدلًا من الحكم على تصرفاته وفق معايير قد تتجاوز قدراته الحالية.

وإذا كان الطفل يواجه صعوبة متكررة في ضبط سلوكه، فقد يساعد تحديد سلوك واحد أو سلوكين للعمل عليهما بدلًا من محاولة تغيير كل شيء في الوقت نفسه. ويمكن للوالدين مراقبة المواقف التي يظهر فيها السلوك المرغوب، واستثمارها في التشجيع. ثم الانتقال إلى أهداف أخرى مع تحسن الأداء.

ومن المهم أيضًا أن يكون الثناء صادقًا ومتناسبًا مع ما فعله الطفل، لا مبالغًا فيه أو آليًا. فالغرض ليس تعويده على انتظار المديح بعد كل مهمة. بل مساعدته على فهم تقدمه وتطوير قدرته على تقييم جهده والتعلم من أخطائه.

الثناء أداة للتوجيه وليس مكافأة للكمال

توضح الأبحاث في مجال التربية أن الثناء قد يدعم الدافعية والمثابرة عندما يكون محددًا وصادقًا. ويركز على الجهد والسلوكيات التي يستطيع الطفل تطويرها. لكن طريقة تقديمه مهمة، فالتشجيع الذي يمنح الطفل مساحة للمحاولة واتخاذ المبادرة يختلف عن الثناء الذي يستخدم للضغط عليه أو دفعه إلى إرضاء الآخرين باستمرار.

This may contain: a woman talking to a boy at a table

ولا توجد نسبة ثابتة من المديح إلى التصحيح تصلح لجميع الأطفال والمواقف. لكن المبدأ الأساسي هو ألا تطغى الملاحظات السلبية على التفاعلات الإيجابية في العلاقة بين الوالدين والطفل.

لا ينبغي النظر إلى الثناء باعتباره جائزة يحصل عليها الطفل عند بلوغ الكمال، بل وسيلة تساعده على اكتشاف ما ينجح فيه. وتمنحه الدافع لمواصلة التعلم. فحين يلاحظ الوالدان التقدم الصغير ويقدّرانه. فإنهما لا يحتفلان بالإنجاز وحده، بل يساعدان طفلهما على اتخاذ الخطوات التي تقوده إليه.

الرابط المختصر :