تبدأ رحلة بناء الصحة النفسية للطفل منذ سنواته الأولى، فالفترة الممتدة من الولادة وحتى سن الخامسة تمثل مرحلة أساسية في النمو والتعلم وتكوين الشخصية. وخلال هذه السنوات، لا يحتاج الطفل إلى الرعاية الجسدية فقط، بل يحتاج كذلك إلى الشعور بالحب والأمان، والتفاعل الإيجابي مع والديه، بما يساعده على بناء أساس نفسي وعاطفي سليم يمتد أثره إلى مراحل لاحقة من حياته.
وتؤكد إرشادات منظمة الأمم المتحدة للطفولة «اليونيسف» أن السنوات الأولى توفر فرصة مهمة للوالدين لدعم الصحة والعافية النفسية للطفل، من خلال علاقة دافئة ومستقرة تمنحه الشعور بالأمان وتشجعه على التعلم والاستكشاف والتعبير عن مشاعره.
السنوات الأولى.. الحب والأمان أول الطريق
منذ الابتسامة الأولى والخطوات الأولى، يبدأ الطفل في اكتشاف العالم من حوله وتكوين فهم تدريجي لمشاعره واحتياجاته. وفي هذه المرحلة، يمثل الوالدان مصدر الحب والتعلم والأمان بالنسبة إليه.
ويساعد قضاء الوقت مع الطفل والاستجابة لاحتياجاته في بناء علاقة قوية تمنحه الإحساس بأنه محبوب ومحاط بالرعاية. كما يمكن للأنشطة البسيطة، مثل اللعب والاحتضان والغناء والتحدث معه، أن تؤدي دورًا مهمًا في تعزيز التواصل وبناء الرابطة العاطفية بين الطفل ووالديه.

الأطفال الصغار.. التفاعل يصنع الفارق
خلال مرحلة الطفولة المبكرة، لا يحتاج الطفل إلى أنشطة معقدة حتى يتعلم ويطور مهاراته، فالتفاعل اليومي مع الوالدين يمثل في حد ذاته فرصة مهمة للتعلم.
ويمكن للوالدين اللعب مع الطفل واحتضانه والتحدث إليه والغناء له، إلى جانب الاستجابة للأصوات التي يصدرها ومحاولة تحويلها إلى حوار بسيط. ويساعد هذا التفاعل الطفل تدريجيًا على فهم اللغة والتواصل مع الآخرين.
كما أن قضاء وقت ممتع مع الطفل لا يفيده وحده، وإنما يساعد الوالدين أيضًا على تعزيز الرابطة العاطفية معه ودعم شعورهما بالراحة والعافية.
مرحلة المشي.. شجع طفلك على الاستكشاف
مع بداية تحرك الطفل بصورة أكبر، يزداد فضوله ورغبته في اكتشاف البيئة المحيطة به. وهنا يأتي دور الوالدين في توفير مساحة آمنة للاستكشاف والتعلم.
وتعد القراءة اليومية من الأنشطة المفيدة التي يمكن إدخالها في روتين الطفل، إلى جانب الألعاب التي تحفز فضوله وتشجعه على التعلم. ويمكن كذلك أن يطلب الوالدان من الطفل تسمية الأشياء المحيطة به، مع البدء بكلمات بسيطة وواضحة.
ولا يقتصر التعلم على المنزل، إذ يمكن اصطحاب الطفل في جولات خارجية آمنة، وإتاحة الفرصة أمامه لمشاهدة أماكن وأشياء جديدة والتفاعل مع البيئة من حوله.
قبل المدرسة.. الاستقلالية تحتاج إلى توجيه
وبحسب”اليونيسف” مع اقتراب الطفل من سن المدرسة، يصبح أكثر استقلالية وفضولًا، ويبدأ في تطوير طرقه الخاصة لفهم العالم والتعامل مع الآخرين. وفي هذه المرحلة، يمكن للوالدين دعم نموه الاجتماعي والعاطفي من خلال تشجيعه على اللعب والتفاعل مع الأطفال الآخرين.
كما يمكن إشراكه في بعض المهام المنزلية البسيطة التي تتناسب مع عمره، مع توجيهه خطوة بخطوة أثناء محاولة حل المشكلات الصغيرة. وتساعد هذه الممارسات على تعزيز شعوره بالمسؤولية والثقة في قدراته.
ومن المهم أيضًا وضع حدود واضحة وتوقعات واقعية تتناسب مع عمر الطفل. فعندما يرفض الوالدان سلوكًا معينًا، من المفيد توضيح البديل الذي يمكن للطفل القيام به بدلًا من الاكتفاء بكلمة «لا».
ويمكن كذلك منحه خيارات محددة عند اتخاذ بعض القرارات اليومية، مثل اختيار الطعام أو الملابس أو الألعاب، بما يتناسب مع عمره وقدرته على الاختيار.
نوبات الغضب.. الطفل يتعلم إدارة مشاعره
يواجه الأطفال في السنوات الأولى صعوبة طبيعية في التعبير عن مشاعرهم وإدارتها، ولذلك قد تظهر أحيانًا في صورة غضب أو توتر، خصوصًا عندما لا يتمكن الطفل من التعبير عن احتياجاته بالكلمات.
وعندما يشعر الطفل بالإجهاد النفسي أو بأن المشاعر تفوق قدرته على التعامل معها، فإنه يحتاج إلى وجود شخص بالغ يحبه ويمنحه الأمان، ويساعده على الهدوء وفهم ما يشعر به.
وتظل استجابة الوالدين الهادئة والداعمة عنصرًا مهمًا في تعليم الطفل، مع مرور الوقت، كيفية التعامل مع مشاعره والتعبير عنها بطريقة أكثر إيجابية.
سلوكيات ينبغي تجنبها لحماية الطفل
تشدد الإرشادات على ضرورة تجنب العنف بجميع أشكاله، بما في ذلك الصراخ والضرب، لأن تعرض الطفل لبيئة سلبية ومليئة بالتوتر يمكن أن يؤثر سلبًا في نموه وتطوره النفسي.
كما ينصح بتجنب الخلافات المتكررة بين الوالدين أمام الطفل، إذ يمكن أن يؤدي التوتر المستمر في البيئة المحيطة إلى شعوره بالقلق والعجز وعدم الأمان.
ويأتي الإهمال أيضًا ضمن السلوكيات التي ينبغي تجنبها، فالطفل يحتاج بصورة مستمرة إلى الاهتمام والحب والرعاية حتى يتمكن من النمو والتطور بصورة صحية.

صحة الوالدين النفسية جزء من صحة الطفل
لا تقتصر رعاية الصحة النفسية على الطفل وحده، فالوالدان أيضًا يمران بمشاعر متعددة خلال رحلة التربية، من الفرح إلى الإحباط والإرهاق والتوتر، وكلها مشاعر طبيعية يمكن التعامل معها بصورة أفضل من خلال الحصول على الدعم المناسب.
ومن المهم أن يحرص الوالدان على وجود شبكة دعم اجتماعي من العائلة والأصدقاء والمقربين، إلى جانب تخصيص بعض الوقت للراحة والاهتمام بالنفس.
كما يمثل الحصول على نوم كافٍ، وتناول الطعام الصحي، وممارسة النشاط البدني، عوامل تساعد الوالدين على التعامل بصورة أفضل مع الضغوط اليومية.
وفي النهاية، فإن بناء صحة نفسية إيجابية للطفل لا يعتمد على خطوات معقدة، وإنما يبدأ من تفاصيل الحياة اليومية؛ علاقة آمنة، ووقت مشترك، وكلمات داعمة، وحدود واضحة، وبيئة خالية من العنف والإهمال. ومع حصول الوالدين أيضًا على الدعم والرعاية التي يحتاجان إليها، يصبح من الممكن توفير بيئة أكثر استقرارًا تساعد الطفل على النمو بثقة وتوازن منذ سنواته الأولى.



















