هل لاحظتِ من قبل أن مذاق الطعام نفسه قد يتغير بشكل واضح عند تناوله باردًا أو ساخنًا؟ فبعض الأطعمة والمشروبات تبدو أكثر حلاوة أو مرارة أو غنى بالنكهة عند درجات حرارة معينة، وهو ما لا يرتبط بطريقة الطهي أو المكونات فقط، وإنما بدرجة الحرارة وتأثيرها في براعم التذوق الموجودة على اللسان.
كما تشير المعلومات العلمية إلى أن درجة الحرارة تؤثر بشكل واضح في إدراك ثلاثة من المذاقات الأساسية. وهي الحلو والمر والأومامي، إذ تعمل مستقبلات التذوق المسؤولة عنها بكفاءة أكبر عندما تتراوح درجة الحرارة. بين 15 و35 درجة مئوية، أي من درجة حرارة الغرفة الباردة إلى درجة الحرارة الفاترة. التي تقل قليلًا عن حرارة الجسم البالغة نحو 37 درجة مئوية.
لماذا تتغير النكهة مع درجة الحرارة؟
كما يمتلك الإنسان مستقبلات مختلفة للمذاقات الأساسية الخمسة: الحلو، والمالح، والحامض، والمر، والأومامي. ويتميز الأومامي بأنه المذاق اللذيذ المرتبط بالأطعمة الغنية بالغلوتامات، مثل اللحوم المطبوخة والمعالجة. والمرق، والجبن المعتق، والأطعمة المخمرة، وصلصة السمك، والفطر، وخاصة فطر الشيتاكي.
كما تحتوي خلايا مستقبلات المذاق الحلو والمر والأومامي على قنوات مجهرية تعرف باسم TRPM5. وعندما تصل جزيئات الطعام إلى مستقبلات التذوق. تنشط هذه القنوات وترسل إشارات كهربائية إلى الدماغ، ما يؤدي إلى إدراك المذاق.
وتكون هذه القنوات أقل نشاطًا عند درجات الحرارة المنخفضة، بينما يزداد نشاطها مع ارتفاع درجة الحرارة ضمن نطاق معين. لتصبح المذاقات الحلوة والمرة والأومامي أكثر وضوحًا بين 15 و35 درجة مئوية. وعندما تتجاوز الحرارة 35 درجة مئوية، يبدأ إدراك هذه المذاقات في الانخفاض مرة أخرى.
أما مستقبلات المذاقين المالح والحامض، فلا تحتوي على قنوات TRPM5 بالطريقة نفسها. ولذلك لا تتأثر بدرجة الحرارة بالآلية ذاتها. كما تشير بعض الأبحاث إلى أن الإحساس بالحموضة قد يزداد مع الدفء. بينما يمكن للبرودة أن تعزز الإحساس بالملوحة.

أمثلة توضح تأثير الحرارة على المذاق
وبحسب “sonndacatto” تظهر هذه الظاهرة بوضوح في العديد من الأطعمة والمشروبات. فالحلوى المجمدة، على سبيل المثال، قد تبدو أقل حلاوة وهي شديدة البرودة، ثم تصبح أكثر حلاوة مع ذوبانها وارتفاع حرارتها قليلًا.
كما ينطبق الأمر أيضًا على المشروبات الغازية؛ فقد يبدو المشروب أكثر حلاوة عندما يصل إلى درجة حرارة الغرفة مقارنة بتناوله مباشرة من الثلاجة.
أما المذاق المر، فتتأثر به بعض الأطعمة والمشروبات بصورة عكسية، إذ يمكن للحرارة المرتفعة أن تقلل من الإحساس بالمرارة. ولهذا قد تبدو بعض المشروبات المرة، مثل الشاي والقهوة والكاكاو، أكثر قبولًا عند تناولها ساخنة، بينما قد تصبح أكثر مرارة بعد أن تبرد.
وفي المقابل، يمكن أن يصبح مذاق بعض الأطعمة أكثر ملوحة عندما تكون باردة. في حين تبرز نكهة الأومامي بصورة أكبر عندما ترتفع حرارتها إلى درجة مناسبة.
درجة حرارة الفم مهمة أيضًا
لا تتوقف المسألة عند درجة حرارة الطعام نفسه، إذ تلعب درجة حرارة الفم دورًا مهمًا في الطريقة التي ندرك بها النكهات. فالمشروبات التي يتم تناولها قبل الطعام أو معه يمكن أن تغير درجة حرارة الفم، وبالتالي تؤثر في الإحساس بالمذاقات المختلفة.
فإذا تناول الشخص ماءً شديد البرودة أو مشروبًا مثلجًا، قد يضعف إدراكه لبعض المذاقات الحلوة والمرة والأومامي. وفي المقابل، قد يؤدي تناول مشروب ساخن جدًا إلى التأثير نفسه. بينما تساعد السوائل الفاترة أو القريبة من درجة حرارة الغرفة على إبراز هذه النكهات.
كيف يمكن استخدام العلم لتناول طعام أكثر صحة؟
يمكن الاستفادة من تأثير الحرارة في براعم التذوق لتغيير طريقة تناول بعض الأطعمة، خاصة الخضراوات التي تتميز بمذاق مر قد لا يفضله البعض.
كما تحتوي الخضراوات الصليبية، مثل الملفوف والقرنبيط والبروكلي والكرنب، على مركبات طبيعية تمنحها مذاقها المر ورائحتها المميزة. رغم ارتباطها بفوائد صحية مهمة. ويمكن تقليل الإحساس بالمرارة من خلال تناولها في درجات حرارة أعلى من 35 درجة مئوية أو أقل من 15 درجة مئوية، بعيدًا عن النطاق الذي تكون فيه المرارة أكثر وضوحًا.
وقد يكون هذا الأمر مفيدًا بشكل خاص للأطفال، الذين يتميزون بحساسية أكبر تجاه المذاق المر.
الحذر من الإفراط في الأطعمة الباردة
من ناحية أخرى، قد يؤدي انخفاض الإحساس بالحلاوة عند تناول الأطعمة شديدة البرودة إلى زيادة كمية السكر المستخدمة في بعض المنتجات، مثل الآيس كريم والحلويات والمشروبات المجمدة، حتى تظهر الحلاوة بشكل واضح.
لذلك، فإن فهم العلاقة بين درجة الحرارة والمذاق قد يساعد على اتخاذ خيارات غذائية أفضل، بدلًا من الاعتماد على كميات أكبر من السكر لتعزيز النكهة.

كيف تحافظين على حاسة التذوق؟
تتأثر حاسة التذوق بعدة عوامل، من بينها التقدم في العمر وبعض الأمراض ونزلات البرد والتدخين وارتداء أطقم الأسنان. ويولد الإنسان بنحو 9000 برعم تذوق، إلا أن عددها يبدأ في الانخفاض مع التقدم في العمر، بدءًا من سن الأربعين تقريبًا.
وللاستفادة من النكهة إلى أقصى حد، يمكن ترك الأطعمة المبردة فترة حتى تصل إلى درجة حرارة مناسبة قبل تناولها، كما يمكن ترك الطعام الساخن ليبرد قليلًا بدلًا من تناوله بدرجة حرارة مرتفعة جدًا. ويساعد كذلك تناول مشروب بارد باعتدال أو قريب من درجة حرارة الغرفة قبل الوجبة. أو خلالها على الحفاظ على إدراك واضح لمختلف النكهات.


















