تعد قرية عشم الأثرية من أبرز المواقع التاريخية في منطقة مكة المكرمة غرب المملكة. حيث تقع في الشمال الشرقي من محافظة القنفذة، على بعد يقارب 300 كيلومتر جنوب مدينة مكة المكرمة.
وتمثل القرية نموذجًا لمستوطنة بشرية قديمة جمعت بين الطابع الديني والمدني والعسكري، إلى جانب كونها مركزًا مهمًا لنشاط التعدين في العصور القديمة.
موقع إستراتيجي على طرق الحج القديمة
تقع قرية عشم على ضفاف وادي قرماء، في نقطة جغرافية فريدة تمثل منطقة انتقال بين سهل تهامة غربًا ومرتفعات جبال السروات شرقًا.
في حين أكسبها هذا الموقع أهمية تاريخية كبيرة. إذ كانت إحدى المحطات على طريق الحج اليمني القادم من جنوب شبه الجزيرة العربية نحو مكة المكرمة.
تاريخ عريق وشهرة في التعدين
اشتهرت قرية عشم منذ عصور ما قبل الإسلام وحتى العصور الإسلامية المبكرة والوسيطة، بكونها من أهم مواقع التعدين في الجزيرة العربية، خاصة في استخراج الذهب.
ويعد منجم عشم من أبرز المعالم التاريخية التي ورد ذكرها في المصادر القديمة. ما عزز مكانة الموقع اقتصاديًا وحضاريًا.
كما كانت عشم عاصمة لما عرف تاريخيًا بـ“مخلاف عشم”، وهو كيان إداري ضم عددًا من القرى التي اندثرت لاحقًا، مثل: مسعودة والنصائب والعصداء والأحسبة الجنوبية.
بينما أشار عدد من المؤرخين والجغرافيين المسلمين، من بينهم اليعقوبي وابن خرداذبة والهمداني والمقدسي والإدريسي. إلى ازدهار المنطقة وكثرة مواردها، خاصة الذهب، واعتبارها مركزًا حضريًا مهمًا في المخلاف المكي التهامي.

دراسات وتنقيبات أثرية
منذ عام 1402هـ/1982م، خضعت قرية عشم لعدة أعمال تنقيب أثري أسفرت عن اكتشافات مهمة، من بينها بقايا السوق التاريخية وشواهد قبور مكتوبة بالخط الكوفي، تعود إلى القرنين الأول والخامس الهجريين.
كما كشفت الدراسات عن أسلوب دفن مميز في المنطقة. حيث وجد أن القبر الواحد كان يحدد بشاهدين عند الرأس والقدمين، وفقًا لما كان شائعًا في القرى المكية القديمة.
وفي عام 1427هـ/2006م تم تنفيذ مسح أثري شامل للموقع، تلاه استئناف أعمال التنقيب عام 1439هـ/2017م ضمن مشاريع الهيئة العامة للسياحة والتراث الوطني.
وركزت الجهود على المنطقة التجارية داخل الموقع، والتحقق من كثافة المعثورات المرتبطة بالنشاط التجاري والتعديني.
معالم معمارية ونشاط تجاري قديم
وبحسب “سعوديبيديا” تبلغ مساحة موقع عشم الأثري نحو 1500 × 600 متر، وتمتد مبانيه من الشرق إلى الغرب، وشيدت باستخدام الحجارة البازلتية السوداء التي رصت دون استخدام مواد رابطة.
وتشير الدراسات إلى وجود أكثر من 400 مبنى داخل القرية، تتنوع بين غرف منفردة ومبانٍ متعددة الغرف، إضافة إلى منطقة تجارية منظمة تتكون من صفوف متقابلة من الغرف المستطيلة التي كانت تستخدم لأغراض البيع والتخزين.
كما كشفت الحفريات عن دعامات حجرية ومساطب داخل بعض الغرف، يعتقد أنها استُخدمت لأعمال البيع، إلى جانب آثار ترميم تعود لفترات لاحقة من الاستيطان.
معثورات أثرية تعكس ازدهار الموقع
أظهرت أعمال التنقيب العثور على مجموعة متنوعة من اللقى الأثرية، شملت فخاريات مزججة وغير مزججة بألوان متعددة، وأوانٍ منزلية كاملة أو شبه مكتملة، إضافة إلى أدوات حجرية مصنوعة من الحجر الصابوني، بينها أوانٍ ومصابيح مزخرفة.
كذلك تم العثور على مقتنيات زجاجية ومعدنية، شملت أدوات استخدام يومي مثل: السكاكين والملاعق والمسامير. ما يعكس طبيعة الحياة الاقتصادية في الموقع خلال العصور الإسلامية المبكرة والوسيطة.
وتؤكد هذه المكتشفات أن عشم كانت مركزًا نشطًا للتعدين والاستيطان، قبل أن يتراجع نشاطها تدريجيًا بحلول القرن السادس الهجري.
في النهاية تكشف قرية عشم الأثرية عن تاريخ غني يجمع بين النشاط الاقتصادي والديني والحضاري. إذ أدت دورًا مهمًا كمركز للتعدين ومحطة على طرق الحج القديمة.



















