يعرض النسج والتطريز منذ القدم بوصفه فنًا حضاريًا، في أشكال متنوعة وألوان زاهية، تعكس ما بلغه هذا الفن عبر المراحل الزمنية من رقي في الحس الجمالي وإتقان في العمل.
نشأة زخرفة المنسوجات
منذ أوائل العصر الإسلامي، أنشأ العرب دورًا لصناعة النسيج والأبسطة والسجاد في مصر وإيران. وكانت صناعة المنسوجات من الصوف والكتان من الصناعات المزدهرة. كما أجاد أقباط مصر زخرفة المنسوجات برسوم الأشخاص والطيور بأسلوب بيزنطي، داخل أشكال بيضوية أو متعددة الأضلاع. ثم استعان العرب بهم بعد فتح مصر، وأخذت هذه الصناعة تتطور تدريجيًا مع استبدال الرسوم الآدمية بزخارف مجردة.
كما برع الإيرانيون في النسج والتطريز، خصوصًا في صناعة الحرير، وبلغت هذه الصناعة ذروتها في العصر الساساني. وظل الرومان يقبلون على اقتناء المنسوجات الإيرانية حتى العصر البيزنطي.
بينما بلغت صناعة المنسوجات الحريرية والصوفية الموشاة بالذهب والقصب أوج ازدهارها بعد انتهاء فترة التقشف في صدر الإسلام. فبدأ إنتاج المنسوجات النفيسة التي تخلع على أئمة العلم والدين وأصحاب المراتب العليا. إلى جانب صناعة كسوة الكعبة المزينة بآيات قرآنية مطرزة بخيوط من الذهب.
كما انتشرت مراكز نسيج الصوف والكتان في عشرات المدن بصعيد مصر، فيما اشتهرت سوريا بالمنسوجات الحريرية الدمشقية. وبرزت مدينة الموصل في العراق بإنتاج “الموسلين”، أحد أفخر المنسوجات. وفي الأندلس، عرفت غرناطة بمنسوجاتها الشهيرة باسم “جرينادين”. كما اشتهرت منطقة كشمير في الهند بنسيجها الناعم المميز الذي حمل اسمها.

بداية النسيج الثمين المطرز
كانت ملابس الخلفاء والأمراء وكبار رجال الحاشية تسمى “الطرازة”، وهي كلمة مشتقة من الكلمة الفارسية “ترازيدن”. ومعناها النسيج الثمين المطرز بالأشرطة المكتوبة بالدعاء والبركة وطول العمر، والمزين بالزخارف الهندسية المتقاطعة أو المتماسة.
كما استخدمت الكتابة العربية على المنسوجات منذ القرن الأول من الهجرة، وابتداءً من القرن الثالث الهجري. ازدهرت صناعة المنسوجات الرقيقة والدقيقة، وصناعة نوع من القماش يُعرف باسم “البوقامون”، الذي يتغيّر لونه مع اختلاف ساعة النهار.
منسوجات العصر الفاطمي
ومن أروع المنسوجات المتقنة في صناعتها وزخرفتها ما كان ينتج في العصر الفاطمي، كالجلاليب والقمصان والعمائم والأحزمة والكوفيات. إلى جانب العباءات وملابس السيدات المزينة بخيوط القصب الملونة والكتابات الكوفية، أو المزخرفة بالنباتات والزهور ورسوم الطيور والحيوانات الأليفة الصغيرة.
كما برزت صناعة الأبسطة ذات الوبر في الفسطاط بين عامي 202 و206 للهجرة، وكانت تزخرف بأشكال مثلثة ومستديرة. وتمتاز بدقة صناعتها. كما استخدمت فيها ألوان الأزرق والأصفر والأخضر والبني على خلفية حمراء. أما الكتابة الكوفية فجاءت على هيئة إطار أصفر اللون فوق أرضية زرقاء داكنة.
أهم مراكز صناعة الأبسطة
بلغت صناعة الأبسطة في مصر وإيران شهرة واسعة تضاهي شهرتهما في صناعة الخزف. كما يعود أقدم الأمثلة عليها في إيران إلى عهد الأسرة الصفوية في القرن العاشر الهجري. وكانت زخارفها متأثرة إلى حد كبير بزخارف المخطوطات.
بينما يمكن تصنيف المنسوجات والأبسطة الإيرانية وفقًا لأنواع زخارفها أو حسب المدن التي صنعت فيها، مثل تبريز. أصفهان، قاشان، كرمات، قراباغ، وشيراز، وجميعها تُعد من أهم مراكز صناعة الأبسطة والسجاجيد.
سجادة أردابيل الشهيرة
من أبرز السجاجيد ذات الجامات، أي النقوش الهندسية، سجادة “أردابيل” المنسوبة إلى مدينة أردابيل الإيرانية، وهي سجادة فارسية تاريخية. اشتهرت بجمالها ودقتها، وتعد من أقدم وأهم السجاجيد في العالم. يعود تاريخها إلى القرن السادس عشر، وتزن 13 طنًا. بطول 10.5 أمتار وعرض 5.35 أمتار، ما يجعلها أكبر وأثقل سجادة في العالم. وقد صنعت من خامات عالية الجودة تُظهر تفاصيلها بوضوح بالغ. وصممها مقصود كاشاني، أحد المقربين من مجلس الشاه عباس الصفوي. وتعد حاليًا من أثمن مقتنيات متحف “فيكتوريا والبرت” في لندن.

تطور تطريز الجلود في السعودية
تميزت المنسوجات التقليدية في المملكة العربية السعودية بثرائها في الزخارف وتنوع أساليب التطريز. كما تمتاز الملابس التقليدية بطابع زخرفي شعبي يفيض بالألوان الزاهية والزخارف الكثيرة. ما يعكس تفاعل الإنسان مع محيطه الطبيعي وبيئته الاجتماعية، وفق رؤية تأثرية تعكس الخصائص المزاجية والميول العقلية.
كما يعد تطور براعة العمل في تطريز كسوة الكعبة في المملكة شاهدًا على حجم الخبرة ومستوى المهارة التي تتمتع. بها اليد العاملة السعودية في تنفيذ أدق التفاصيل الحرفية.
وفي الآونة الأخيرة، ازدهر فن التطريز على الجلد الطبيعي، حيث تستخدم فيه خيوط من الجلد الصناعي. وفق قياسات محددة تضمن الوصول إلى شكل متناسق في المنتَج النهائي. مثل الحقائب الجلدية النسائية، والملابس المحلية الصنع، وأسرجة الخيول، والأحزمة.
بينما يظل النسج والتطريز اليدوي فنًا أصيلًا وتراثًا غنيًا يشهد على عراقة هذا العمل الإبداعي في أرض رواها التاريخ. وشهد لها التراث بالأصالة الممتدة من الأجداد إلى الأحفاد.

















