فخ الإيجابية السامة.. لماذا يعد الهروب من الألم النفسي خطرًا على صحتك؟

فخ الإيجابية السامة.. لماذا يعد الهروب من الألم النفسي خطراً على صحتك؟
فخ الإيجابية السامة.. لماذا يعد الهروب من الألم النفسي خطراً على صحتك؟

تحاصرنا منصات التواصل الاجتماعي، وكتب التنمية البشرية، والأحاديث اليومية بعبارات رنانة تدعونا جميعًا إلى “الابتسام الدائم”، و”النظر إلى النصف الممتلئ من الكأس”، والتمسك بشعار “المشاعر الإيجابية فقط”.

ورغم أن التفاؤل والامتنان أدوات قوية لتجاوز الأزمات، إلا أن المبالغة في فرضها وتحويلها إلى قناع دائم يُسقطنا في فخ ما يعرف علميًا بـ “الإيجابية السامة” (Toxic Positivity).

فما الإيجابية السامة؟ وكيف يتحول التفاؤل المصطنع إلى سلاح يدمر صحتنا النفسية بدلًا من علاجها؟

مفهوم الإيجابية السامة.. قناع التفاؤل المزيف

تعرف الإيجابية السامة بأنها الاعتقاد الجازم بأنه يجب على الإنسان الحفاظ على عقلية إيجابية ورفض أي مشاعر سلبية، بغض النظر عن مدى صعوبة أو مأساوية الموقف الذي يمر به.

لتبسيط الأمر: تخيل أنك استيقظت متأخرًا عن عملك، وسكبت القهوة على ملابسك، ثم كسرت شاشة هاتفك، وتطلبت سيارتك إصلاح طارئ. عندما تصل إلى مكتبك مثقلًا بالتوتر وتبوح لصديقك بما حدث، فيبتسم قائلًا: “كن إيجابيًا وابتسم، لعله خير”.

في تلك اللحظة لن تشعر بالراحة، بل غالبًا يتضاعف غضبك وتتحول مشاعرك إلى شعور بالخزي والذنب لمجرد أنك عبرت عن ضيقك الطبيعي.

وما كنت تحتاجه حقًا ليس نصيحة بالابتسام، بل “المصادقة العاطفية”؛ أي أن يشعر الطرف الآخر بضيقك ويؤكد لك أن غضبك أمر طبيعي ومنطقي.

الأشكال الشائعة للإيجابية السامة في حياتنا

تتسلل الإيجابية السامة إلى علاقاتنا اليومية عبر جمل تبدو في ظاهرها تشجيعية، لكنها تحمل في طياتها قمعًا للمشاعر:

  1. عبارات المقارنة التقليلية: عندما تفقد وظيفتك أو تمر بأزمة مالية، ويواجهك أحدهم بعبارة: انظر للجانب المشرق، تذكر أن هناك من لا يجد مأوى. هذا الأسلوب يكبت حقك الإنساني في الحزن على خسارتك الخاصة.
  2. شعار “السعادة اختيار“: تُلقي هذه العبارة بمسؤولية الحزن أو الإحباط على الضحية مباشرة، وكأن الشخص الذي يمر باكتئاب أو خيبة أمل هو من “اختار” ألا يكون سعيدًا.
فخ الإيجابية السامة.. لماذا يعد الهروب من الألم النفسي خطرًا على صحتك؟

الأضرار النفسية لإنكار المشاعر السلبية

الحياة ليست وردية دائمًا، ورفض المشاعر الإنسانية الطبيعية كالخوف، والحزن، والغضب، يتسبب في عواقب نفسية وخيمة، أبرزها:

تفاقم الألم النفسي: المشاعر المكبوتة لا تموت. تؤكد الدراسات النفسية أن إخفاء المشاعر يولد ضغطًا نفسيًا وجسديًا هائلًا.

وتشبّه الطبيبة النفسية “ليندا شو” هذا الأمر بالألم الجسدي المزمن؛ إذا تجاهلته دون علاج فإنه يزداد سوءًا بمرور الوقت، وهو تمامًا ما يحدث لصحتنا العقلية.

الحرمان من الدعم الحقيقي: عندما يجبر المجتمع أفراده على إظهار الجانب المشرق فقط، ينسحب الأشخاص المتألمون وينعزلون خوفًا من إطلاق الأحكام عليهم أو تسخيف مشاعرهم.

إعاقة النضج والنمو: إن تجارب الحياة الصعبة هي المعمل الحقيقي لاكتساب الخبرات والحكمة. وتزييف الواقع بـ “إيجابية زرقاء” يحرم الإنسان من فرصة مواجهة حزنه والنضج من خلاله.

وكما يوضح المعالج النفسي “جون بول ديفيز”: من أجل تجاوز الألم، عليك أن تشعر به أولًا.

كيف تنجو من فخ الإيجابية السامة؟ (خطوات عملية)

للانتقال من مرحلة التفاؤل الزائف إلى مرحلة “المرونة النفسية الحقيقية”، يمكن اتباع الإستراتيجيات التالية:

  1. اسمح لنفسك بالشعور (تصالح مع حزنك)

من حقك أن تحزن، وتغضب، وتشعر بالقلق. اسمح لهذه المشاعر بأن تأخذ دورتها الطبيعية دون إنكار، شريطة ألا تجعلها تسيطر على دفة حياتك بشكل دائم.

  1. تبن التفكير الواقعي لا المثالي

عند مواجهة صدمة أو ظرف عصيب من الطبيعي  الخوف والتوتر. لا تتوقع من نفسك ثباتًا حديديًا طوال الوقت حتى لا تصاب بالخذلان وجلد الذات.

  1. تقبّل التناقض المشاعري

الإنسان كائن معقد؛ بإمكانك أن تكون مدركًا للدرس المستفاد من الأزمة وممتنًا لبعض النعم في حياتك.

وفي الوقت نفسه تشعر بحزن عميق وفقد شديد. المشاعر المتناقضة يمكن أن تتعايش معًا.

  1. مارس التعاطف والإنصات مع الآخرين

عندما يلجأ إليك شخص ليبوح بآلامه استمع له بإنصات ودون إطلاق أحكام.

أخبره أن ما يمر به صعب وأن مشاعره حقيقية ومبررة، وتجنب إسكاته بالعبارات الجاهزة المعلبة.

  1. حدد احتياجاتك بوضوح

إذا كنت أنت الطرف المتألم وتواجه أشخاصًا يمارسون عليك الإيجابية السامة، تنصح “تابيثا كيركلاند” (أستاذة علم النفس بجامعة واشنطن) برسم حدود واضحة للمحادثة؛ كأن تقول صراحة: “أنا لا أبحث عن نصائح أو حلول حاليًا، أنا فقط بحاجة لشخص يستمع إلي ويشعر بوجعي”.

فخ الإيجابية السامة.. لماذا يعد الهروب من الألم النفسي خطرًا على صحتك؟

 

المشاعر السليمة لا تعني غياب الحزن، بل القدرة على التعامل معه.

إن محاولاتنا المستمرة لدفن مشاعرنا الإنسانية لن تجعلها تختفي، بل ستجعلها تطاردنا في الخفاء على هيئة قلق مزمن أو أمراض جسدية ونفسية.

والسعادة الحقيقية لا تأتي من قمع الشطر المظلم من مشاعرنا، بل تنبع من شجاعة تقبل الذات بكامل تقلباتها، فالحياة مزيج من الفرح والترح، ومن يتعايش مع سواد الليل هو وحده من يستمتع بضوء النهار.

الرابط المختصر :