قد لا يخطر على بال إنسان في يوم ما أن سكان القرية الجزائرية “عين كرمة” في أقصى شرق البلاد الواقعة على مقربة من الحدود مع تونس قد أخذوا على أنفسهم عهدا بتشكيل خلايا حماية تطوعية على مدار العام للسهر على المحافظة على قبر شهيد من غير وطنهم، ناضل بإخلاص وعناد ذات يوم في صفوف ثوار بلادهم ضد الاستعمار، وأما الشهيد الذي أقام بينهم فهو المفكر والمناضل الإفريقي المعروف فرانز فانون 20)/7/1925 ــ 6/12/1961( المعروف باسم ابراهيم عمر فانون الذي قدم ذات يوم ليعمل طبيبا في مستشفى مدينة البليدة يجد نفسه يسلك الطريق نحو عالم الفكر ودنيا الأدب وساحة النضال.

علاقة فانون بالمجتمع الجزائري
ينحدر فانون من جزر المارتينيك إحدى المستعمرات الفرنسية ، قدم إلى الجزائر طبيبا نفسيا مع القوات الفرنسية عام 1953 وعمل في مستشفى مدينة البليدة، كان على علاقة طيبة مع أهل البلاد الذين وجدهم يعانون نفس معاناة شعبه المارتينيكي على يد المستعمر الفرنسي،توطدت علاقته بأبناء البلاد ومع أبنائهم الذين كانوا زملاء دراسة له في فرنسا،عمل لسنوات قليلة في صفوف القوات الفرنسية بالإضافة إلى عمله الإنساني الذي قدم من أجله عام 1953.

علاقة فانون بالثورة التحررية
تعود علاقة فانون بالجزائر وثورتها إلى ما قبل قدومه إليها حيث كانت تربطه علاقات زمالة وصداقة بالكثير من الطلبة الجزائريين في فرنسا. إلى أن التحق للعمل فيها. ومن موقع عمله بالمستشفى عبّر عن تضامنه مع الثورة المسلحة ضد المستعمر الفرنسي.
فكان يقوم بتهريب الأدوية والأجهزة الطبية والمعقمات إلى خلايا الثورة عن طريق الممرضات الجزائريات وعن طريق مرضاه وكان يِؤمّن نقل الرسائل والأسلحة عن طريقهم ويقوم بتدريب الممرضات ومساعدتهن على الالتحاق بصفوف الثورة.

دام نشاطه طوال ثلاث سنوات بعد الثورة دون أن تستطيع السلطات الفرنسية اكتشاف أمره. وكان يكتب عشرات المقالات حول المأساة الجزائرية في جريدة ” المجاهد” اللسان المركزي لجبهة التحرير وفيها برزت مواهبه الإبداعية والسياسية والثورية المناهضة للاستعمار. وفي كتابه ” معذبو الأرض” يؤكد فانون على أن : ” العنصرية لديه لا تتحدد من خلال لون البشرة فقط. بل هناك جانب تاريخي ثقافي يلازم الإنسان الأبيض يجعله دائما يتحكم كإنسان غني ومسيطر على الثروات وعلى المصائر ” .
لقد عرفت جميع هذه النشاطات بعد استقالته في الوقت المناسب وهروبه إلى تونس عبر القرية الجبلية “عين الكرمة” في ولاية الطارف الحدودية. حيث عاش بين أهلها لفترة قصيرة لكنها كانت مؤثرة وفاعلة حيث أحبوه واحتضنوه وقدّروا تضحياته في سبيل بلادهم. عاش بيتهم طبيبا نفسيا ومناضلا وفيا وكاتبا ومفكرا استثنائيا وفيلسوفا اجتماعيا.
تكريم ذكرى فانون وتخليده
بعد وفاته في أمريكا تم دفنه ـ حسب وصيته ـ في الجزائربمقبرة الشهداء بنفس القرية ، وتكريما لرفاته احتل المكان الأبرز بين القبور. تكفّل أهالي القرية وسلطاتها المحلية بحماية قبر فانون من محاولات زوجته وشقيقه لاسترجاع رفاته ونقله خارج الجزائر.

تقوم سلطات ولاية الطارف بتنظيم وإقامة مهرجان فكري دولي واسع كل عامين باسم فرانز فانون. يدعى له الكثير من الضيوف من أنحاء العالم ممن اهتموا بفكر الراحل وفلسفته لتسليط المزيد من الأضواء على إرثه. ولبعث موجات أخرى للتحرر العالمي أساسها فكر فانون في ظل آليات العولمة.
أبدى الكثير من المثقفين والمناضلين رغبة كبيرة بأن تعيد الجزائر قراءة أعماله لإبراز معاني الثقافة الوطنية وإشكالياتها. حيث لا تزال اجتهاداته تطرح العديد من الأسئلة الحقيقية حول قضايا الفصل العنصري بشكل خاص .

















