عسر القراءة.. من «عمى الكلمات» إلى فهم طريقة عمل الدماغ

يعدّ شهر أكتوبر شهر التوعية بعسر القراءة، وهو اضطراب تعلّمي يسلّط الضوء على العلاقة المعقدة بين الدماغ واللغة المكتوبة. وقد استغرق فهم هذه الحالة عقودًا من الملاحظات والدراسات، إذ بدأ الأطباء في القرن التاسع عشر بملاحظة ظاهرة محيّرة: أشخاص يتمتعون بقدرات عقلية وبصرية طبيعية، لكنهم يواجهون صعوبة كبيرة في القراءة.

من «عمى الكلمات» إلى اكتشاف عسر القراءة

في سبعينيات القرن التاسع عشر، استخدم الطبيب الألماني أدولف كوسماول مصطلح Wortblindheit، الذي يعني «عمى الكلمات»، لوصف أشخاص لم يتمكنوا من القراءة رغم سلامة بصرهم. وفي عام 1877، قدّم طبيب العيون رودولف برلين مصطلح «عسر القراءة» لوصف هذه الصعوبة، مسهمًا في تحويل الاهتمام من العينين إلى العلاقة بين الدماغ واللغة المكتوبة.

This may contain: a young boy sitting at a table holding up an open book with letters on it
bbcsciencefocus

وقد ساعدت هذه الملاحظات على إدراك أن القراءة ليست مجرد عملية بصرية، بل مهارة تتطلب تعاونًا معقدًا بين التعرف على الحروف ومعالجة الأصوات وفهم اللغة.

قصة بيرسي.. صعوبة القراءة لا تعني ضعف الذكاء

في عام 1896، وصف الطبيب ويليام برينغل مورغان حالة فتى إنجليزي يبلغ من العمر 14 عامًا يدعى بيرسي. كان الفتى ذكيًا وسريع البديهة في الألعاب. لكنه عجز عن تعلّم القراءة بصورة طبيعية، وواجه صعوبات واضحة في كتابة الكلمات وتهجئتها.

لاحظ مورغان أن المشكلة لم تكن مرتبطة بضعف قدراته العقلية، بل بصعوبة محددة في تعلّم القراءة. وقد أصبحت هذه الحالة مثالًا تاريخيًا مهمًا على ضرورة التمييز بين صعوبات التعلّم والذكاء. وهو مبدأ لا يزال أساسيًا في فهم عسر القراءة اليوم.

This may contain: a young boy is reading a book with letters above his head and behind him he is looking at the camera

كيف يؤثر عسر القراءة في الدماغ؟

يُفهم عسر القراءة حاليًا على أنه اضطراب تعلّمي عصبي يؤثر في اكتساب مهارات القراءة. وخاصة في معالجة الأصوات اللغوية وربطها بالحروف. وقد يظهر في صورة بطء القراءة، وصعوبة التهجئة، والخلط بين بعض الحروف أو الأصوات، وصعوبة التعرف على الكلمات المكتوبة.

وتشير دراسات تصوير الدماغ إلى وجود اختلافات في نشاط الشبكات العصبية المشاركة في القراءة لدى المصابين بعسر القراءة. ومع ذلك، لا يواجه جميع المصابين الصعوبات نفسها، كما أن عسر القراءة لا يعني بالضرورة ضعف الفهم أو القدرة على التعلّم.

فبعض الأشخاص يستوعبون المعلومات بصورة أفضل عند الاستماع إليها بدلًا من قراءتها. ولذلك يمكن أن تساعد الكتب الصوتية وبرامج تحويل النص إلى كلام على تسهيل التعلّم وتحسين الوصول إلى المعلومات.

الرؤية ليست القراءة

تشير التقديرات إلى أن عسر القراءة يؤثر في نسبة ملحوظة من الأطفال حول العالم. مع اختلاف معدلات انتشاره تبعًا لمعايير التشخيص والتعريف المستخدمة. وتؤكد هذه المعطيات أهمية الكشف المبكر وتوفير الدعم التعليمي المناسب. بدلًا من تفسير صعوبات القراءة على أنها نقص في الذكاء أو الجهد.

ويكشف تاريخ عسر القراءة كيف تطور الفهم الطبي من وصف الحالة بأنها «عمى الكلمات» إلى إدراك أن القراءة عملية معرفية معقدة تتجاوز سلامة البصر. فالعين ترى الحروف، لكن الدماغ هو الذي يعالجها ويربطها بالأصوات والمعاني.

إن فهم عسر القراءة لا يساعدنا على تفسير صعوبات القراءة فحسب، بل يذكّرنا أيضًا بأن الناس يتعلمون بطرق مختلفة. وأن الصعوبة في مهارة معينة لا تحدد ذكاء الإنسان أو إمكاناته.

الرابط المختصر :