تأجيل الزفاف.. نزيف صامت في حياة العروس المنتظرة

بعد المرحلة الوردية التي تبدأ بخاتم من ذهب وزغاريد في بيت العروسين، تفتح صفحة من الأحلام بحياة جديدة تجمع شخصين قد يكونان عاشقين، فتزداد بذلك الفرحة والترقب، مما يفرض ضرورة ربط العلاقة بعقد شرعي ومدني يبدد أي محاولات للانفصال، ويحرص على إتمامه في أسرع وقت ممكن.

لكن ما إن تكتمل هذه المراسم، حتى تخفت المشاعر الحماسية ويحل محلها التعقل، مع بروز معطيات أخرى تتعلق بشروط بناء الحياة الزوجية الفعلية، منها العوامل المادية التي غالبًا ما تحول دون الإتمام الفوري للعرس، بالإضافة إلى عوامل أخرى تتعلق بعلاقة العروسين بأنسابهما، فيبدأ مسلسل التأجيل إلى حين تسوية الوضعية، فتبقى آمال الفتاة معلقة، تطارد حلم دخولها عش الزوجية وإنجاب أول أبنائها، وتتعقد نفسيتها مع الفتور الذي يصاحب مشاعر خطيبها الذي تثبط عزيمته في تأدية واجبه للم الشمل، مخلفًا خطيبته تصارع لوحدها لتثبيت موعد عرس قار لا يتغير بتغير الظروف، فإذا ما شعرت بعدم مبالاته بالمشروع الزوجي، تبادر هي، من شدة الألم وحفاظًا على ما تبقى من كرامتها، إلى إنهاء القصة التي فشل هو في تحمل مسؤولياتها.

الخاسر الأكبر

المرأة هي الخاسر الأكبر في فشل علاقة جمعت شخصين وذهب كل طرف إلى حال سبيله، لكن الوضع يصبح أكثر تعقيدًا عندما تلطخ وثائقها الإدارية بصفة “المطلقة” رغم عدم الدخول بها.

وتشير الإحصائيات التي تكشف عدد حالات الطلاق على الورق إلى الخطورة التي ترافق التعجيل بعقد القران في مقابل الاستمرار في إرجاء موعد العرس، حيث أصبحت المحاكم تعج بقضايا شائكة تطالب فيها الفتيات بالخلع بعد أن طالت فترة بقائهن زوجات على الورق. فحتى وإن اختلفت الأسباب التي تؤدي إلى الطلاق بين أسباب جوهرية وأخرى تتعلق بالتقصير في الالتزام بالشروط الأولية، إلا أن النهاية تبقى واحدة: تتحول الفتاة العذراء المتزوجة إلى مطلقة. هذه الكلمة التي ترافقها طوال حياتها وتوجعها كلما استخرجت شهادة ميلادها، لأنها تذكرها بتجربة مريرة تركت أثرها العميق في نفسها، هذا في حال تمكنت من تجاوزها بتجربة أخرى تنسيها مأساتها. فالعقلية السائدة في مجتمعنا تجعل الشاب يقصي المطلقة على الورق من اهتماماته، لأنه يعتقد أن العقد السابق حطم عدة حواجز كانت تفصل بينهما، حتى وإن كانت بريئة من هذه الاتهامات.

تقليص فترة الخطوبة

يميل الشرع إلى التعجيل قدر المستطاع في لم شمل الراغبين في الزواج، ويحرص على تقليص فترة الخطوبة ما أمكن، انطلاقاً من أن إطالة فترة الخطوبة تعد سببًا رئيسيًا في تفاقم المشاكل المؤدية، في أغلبها، إلى الانفصال، وحينها لا جدوى من أن يتعرف الطرفان أكثر على مزايا وعيوب بعضهما، لأن احتمالات الصد ترتفع أكثر. ومن الأئمة من يشدد على التعجيل خشية الفتنة، فبالنسبة إليهم، العقد ليس مشكلة في حد ذاته، بمعنى أنه يجوز التأخير لأكثر من عام بشرط أن يضمن الطرفان عدم الوقوع في المحظور.


ويحذر علماء النفس من تبعات مرور المرأة بتجربة التأجيل المتكرر لحفل زفافها، بما في ذلك التأثيرات السلبية على شخصيتها، فما بالك إذا كانت هذه المرأة متزوجة بعقد لم يكلل بدخول القفص الذهبي؟ فتبقى تأثيراته ملازمة لها حتى ولو تم الزفاف فعلًا، لأن طبيعة المرأة تجعلها تستحضر الأمور التي آلمتها في إحدى مراحل حياتها، بسبب خلاف بسيط يحدث مع زوجها، فهي تنسى ولكنها لا تغفر، وتبقى حبيسة تجارب مريرة تحيل مسؤوليتها على الطرف الثاني، فتثير توتره وانزعاجه المتواصل.

متاهة البحث

كما يرى علم النفس أن التأجيل غير المبرر بأسباب مقنعة، على غرار حدوث وفاة أو طارئ، يثير لديها شكوكًا بأنها غير مرغوب فيها، وأقلها أن زوجها المستقبلي غير مؤهل لمجرد إتمام العرس كما تم الالتزام به منذ أن طلب يدها، وهذا ما يدخلها في متاهة البحث عن الأسباب الفعلية التي تقف وراء تهميشها وحرمانها من حقها في بناء بيت زوجي تكون هي أحد أساساته، فتقل ثقتها في نفسها، أما ثقتها بشريكها فحدث ولا حرج.
لكن رغم كل هذا، تصبح غايتها غلق أفواه المجتمع بحفل زفاف يعيدها إلى سكة المخطوبات طبيعيًا، وإقامة العرس، في حين أن الحقيقة تخبئ جرحًا غائرًا صعب الاندمال، لأنه في أعماقها كسر شيء جميل تسبب فيه أقرب الناس إليها، إذ لم يعد حلمها ورديًا كما كان، فكيف السبيل إلى تجاوز الأمر وقد تحولت حياتها إلى زواج من أجل الاقتران فقط.

الرابط المختصر :