تحقق محاولة وضع الطفل في المراحل العمرية المبكرة تحت تأثير محيط مفعم بالألوان الزاهية ،هدف تشكيل ذوقه الجمالي ودعم توجهه نحو التجميل؛ فتنمو بداخله الحاجة إلى التجميل عن طريق التلوين.
ويساعد نشاط التلوين في محاكاة الطفل لواقعه بالمزيد من الملاحظة في طبيعة مكونات محيطه بدءً من غرفته ومنزله ومدرسته ومحيطه الخارجي.
كذلك، يساعد التلوين على توسيع مداركه وتطوير خياله للانطلاق نحو عوالم يشكلها هو، ويعمل على اكتسابه ملكة التأمل في التفاصيل وإدراك أهمية اختلاف الألوان في إبراز ما يريد أن يظهره أكثر من غيره بلون مميز أو بدرجة مختلفة.
وسيكون الطفل بالممارسة قادرًا على اختيار الألوان المناسبة لموضوع رسمه ومعرفة أصول ومهارات تنسيق الألوان.
التلوين نشاط تأملي يعمل فيه العقل، وهو نشاط حركي؛ حيث يتزامن البصر مع خفة الحركة الدقيقة لأصابع اليد، وهو عامل نفسي هام يعمل على تهدئة الدماغ من التوتر والإجهاد، ويقلل من ردود الفعل العصبية المبالغ فيها، ويبعد الهموم ويخفف الأحزان.
وغالبًل، يعبر اللون عن الحالة النفسية للطفل، وإذا طغى لون محدد على الرسم يكون هذا إشارة لوجود شيء ما يؤثر على حالته النفسية والمزاجية.
حيث تبين أن للألوان تأثيرًا قويًا على مزاج الأطفال، وأن بعض الألوان تساعد الطفل على الاسترخاء والاطمئنان، ويساهم البعض الآخر في الحصول على الطاقة التي يحتاج إليها يوميا.
ويحفز اللون الأبيض على الإبداع خاصة وقت الدراسة، بينما يكون اللون الأحمر هو المميز في رسومات الكثير من الأطفال، لأنه مؤثر ولديه طاقة كبيرة ولكنه قد يشير إلى العدوانية والغضب والقلق، ويمكن أن يكون مؤشرًا على أن الطفل يمر بأزمة.
ويعكس اللون الأخضر فضول الطفل وحب المعرفة لديه وإلى سلوكه الجيد، أما الطفل الذي يستعمل اللون الأصفر بكثرة فهو يتمتع بقدرة التعبير عن نفسه أكثر من الأطفال الآخرين.
بينما يعبر تفضيل الطفل للون البرتقالي عن حاجته للتواصل الأسري والاجتماعي، وهو مؤشر على ميله إلى النشاط وفق روح الجماعة وحبه للمنافسة.
ويشير اللون الوردي أو البمبي، إلى مشاعر الحنان والهدوء النفسي للطفل وحبه للأشياء الجميلة السهلة.
أما الطفل الذي يستعمل اللون البني في رسمه، يحب الأمان والاستقرار، ويميل كثيرًا لترتيب أشيائه بدقة.
ويعتبر اللون الأزرق هو آخر ما يكتشفه الطفل، ومعنى استعماله بكثرة يعكس حاجته للسلام في محيطه العائلي، وقد يكون انطوائيا أيضًا.
كذلك، اللون الأزرق يحمل الكثير من السلام والهدوء، لذلك ينصح باستخدامه لتزيين غرف نوم الأطفال؛ إذ يساعد على توفير الراحة والسكينة فضلا عن تحقيق الاستقرار الداخلي.
أما اللون الأسود فهو أكثر ما يثير قلق الأهل ولا يعني بالضرورة الأفكار السوداوية، ويدل استعماله بكثرة على أن الطفل لديه أسرار ويريد إخفاء بعضها وغالبا يكون واثقا من نفسه.
وتدل طريقة رسمه باللون الأسود إن كانت بشكل عنيف أم بشكل هادئ على طبيعة حالته النفسية.
ومع ذلك يؤكد العديد من الاخصائيين أنه لا يمكن الحكم على شخصية الطفل من خلال اللون الذي يفضله إلا في حالة استعماله لونا واحدًا في رسوماته وبشكل ثابت أو مفاجئ، حينها يمكن فهم السلوك على أنه شيء ما يدور بخلده، وأن استعماله هذا اللون أو ذاك دون غيره هو رسالة واضحة ويريد أن يفهمه الآخرون.
قد يجد الطفل التلميذ في التلوين، وسيلة لتخفيف آثار بعض من المواقف المزعجة التي تعرض لها في المدرسة والشارع.
كما يجد فيه طريقة فضلى لإلهائه قليلًا عن المهام والواجبات المدرسية الثقيلة، والابتعاد عن إطار الروتين اليومي الذي يفرضه الأهل والمدرسة عليه، لأن التلوين يتطلب تركيزًا عاليًا وصبرا برغم أن ليس نشاطا متعبا، ولكنه يمكن أن يبعث المتعة والنشوة في النفس فيجدد النشاط ويخلق الإحساس بالمزيد من الحيوية وراحة الفكر.
ومن أهم الآثار الإيجابية للتلوين عن الطفل، أنه يسمح بالتحكم في التعامل مع الأقلام وفق آلية منظمة في تناول الأقلام وإرجاعها إلى مكانها بترتيبها، وبالتلوين يكتشف الطفل ذاته بشكل عميق، ويتعرف على قدراته الفنية.
كما يعزز التلوين ثقة الطفل بنفسه؛ حيث يشعره الانتهاء من تلوين رسمه بالفخر خاصة عندما يعمد الأبوان إلى تعليق أفضل أعماله على جدران غرفته للتباهي بها.
ويحفز التلوين الطفل على إمكانية إيجاد نفسه قادرًا على اختيار الألوان وتنسيقها بذوق راقي في ملابسه ومحتويات غرفته بشكل رفيع.
كما يجد الطفل نفسه خلاّقا في مدرسته؛ حيث سيستغل قدراته الكبيرة العالية في تحليل الأمور في المجالات التي تتطلب نشاطا فكريا، كما سيمكنه المساهمة بفعالية كبيرة في النشاطات الاجتماعية التربوية والفنية في مدرسته.
حيث سيكون قادرًا أكثر على وصف الأشياء وتشخيص المناظر، وربط العلاقات على أساس اللون، وفي مجتمعه سيكون قادرًا على استيعاب معاني الألوان في الإشارات الضوئية المرورية، والإرشادات الصحية.
وتساعد إجادة فن التلوين على تطوير مهارات القراءة والرياضيات لدى الأطفال؛ إذ يتعلم الطفل رسم الأشكال وحساب المساحات والأحجام لمختلف النماذج، وأنواع الخطوط واستقامة أو ميل الحدود ودقة الخط، ورسم الحروف قبل تلوينها
بصفة عامة، إعطاء الأطفال حرية تلوين الرسوم والصفحات منذ نعومة أظفارهم وفي فترة الحضانة تعد فرصة كبيرة لإبراز ما في أنفسهم، وأيضا لتأكيد مواهبهم ليس فقط لأنها وسيلة للتعبير بحرية عن أنفسهم، بل لأنها تسمح لهم بعمل مزيج جديد من ألوان مختلفة وعمل تراكيب لونية قد تكون غير مألوفة، مما يحفز إحساسهم الإبداعي داخل عقولهم.
فالتلوين ينشئ لديهم عالمًا شاسعًا ساحرًا وجميلًا، وسيجد فيه الطفل نفسه في كل مرة لديه القدرة والحرية لإعادة تشكيله بالألوان وبالصور، وهنا تكمن بداية الابتكار.
صبحة بغورة
متخصصة في كتابة المقالات السياسية والقضايا التربوية
اقرأ أيضًا: صبحة بغورة تكتب: التشاؤم في الحياة الزوجية



















