يقف المسلم في كل عام أمام محطات إيمانية كبرى، ومن أبرز هذه المحطات شهر شعبان؛ ذلك الشهر الذي يقع بين رجب الحرام ورمضان المبارك، والذي وصفه النبي ﷺ بأنه شهر “يغفل الناس عنه”. إن أهمية هذا الشهر لا تكمن فقط في كونه مقدمة لرمضان؛ بل في كونه موسمًا ترفع فيه حصاد أعمال العبد السنوية إلى رب العالمين.
الحكمة من تسميته وفضله النبوي
تعددت الآراء في تسمية “شعبان” بهذا الاسم؛ فقيل لأن العرب كانت “تتشعب” فيه لطلب المياه، وقيل لتشعبهم في الغارات بعد خروج رجب. أما شرعًا، فقد استمد الشهر مكانته من هدي النبي ﷺ؛ إذ تروي السيدة عائشة رضي الله عنها أنها لم ترَ النبي ﷺ أكثر صيامًا منه في شعبان، حتى كان يصومه كله إلا قليلًا.
لماذا نخص شعبان بالصيام؟
لم يكن إكثار النبي ﷺ من الصيام في شعبان محض صدفة؛ بل لحكم جليلة لخصها في قوله لأسامة بن زيد: “ذاك شهر يغفل الناس عنه بين رجب ورمضان، وهو شهر ترفع فيه الأعمال إلى رب العالمين”. فمن تعظيم الله أن يرفع عمل العبد وهو في حالة طاعة وعبادة.
كما يرى العلماء أن شعبان يمثل “السنن الرواتب” لرمضان؛ فكما أن للصلاة المفروضة سننًا قبلية تجبر نقصها، فإن صيام شعبان يهيئ النفس، ويروضها على مشقة الصوم، ليدخل المسلم رمضان بقوة ونشاط.

ليلة النصف من شعبان.. بين الفضل والبدعة
تعد ليلة النصف من شعبان محط أنظار الكثيرين، والثابت في فضلها كما حسنه بعض أهل العلم- هو “الاطلاع الرباني”؛ حيث يغفر الله لجميع خلقه إلا لمشرك أو مشاحن.
وهنا تبرز رسالتان هامتان لكل مسلم:
- سلامة المعتقد: بالابتعاد عن الشرك والتعلق بغير الله.
- سلامة الصدر: بتطهير القلب من الحقد والبغضاء للأقران أو لأهل السنة والجماعة.
أما تخصيص ليلتها بقيام خاص أو نهارها بصيام مخصوص (باعتقاد فضل ذات اليوم)، فهو مما لم يثبت فيه دليل صحيح عن النبي ﷺ، وإنما يصام يوم الخامس عشر باعتباره من “الأيام البيض” المندوب صيامها في كل شهر.
الاستعداد لرمضان: كيف نستثمر الأيام الباقية؟
إن شعبان هو “مضمار التدريب” الحقيقي؛ فمن أراد أن يحصد في رمضان، عليه أن يبذر في رجب ويسقي في شعبان. ومن صور الاستعداد:
- الإكثار من قراءة القرآن: وقد كان السلف يلقبون شعبان بـ “شهر القراء”؛ حيث يغلق التجار حوانيتهم ويتفرغون للمصحف لتليين قلوبهم قبل دخول الشهر الكريم.
- التعود على الصيام: ليصبح صوم الفريضة سهل وممتع.
- التوبة من الذنوب: ليكون القلب مستعداً لتلقي نفحات الرحمة.

أحكام فقهية عارضة
أما بخصوص الصيام في النصف الأخير من شعبان، فقد ذهب بعض العلماء إلى كراهته لمن لم تكن له عادة، وذلك خشية إرهاق النفس قبل رمضان. بينما يرى آخرون جوازه لمن اعتاد صوم الاثنين والخميس أو الأيام البيض. ويحرم الصيام فقط في “يوم الشك” (قبل رمضان بيوم أو يومين) إلا لمن وافق صومًا كان يصومه عادةً.
إن شهر شعبان هو فرصة المفرطين لإصلاح ما فسد، وميدان السابقين لزيادة الأجر. فالسعيد من انتبه لغفلة الناس فاشتغل بالطاعة، وعمّر وقته بالذكر. وسعى لأن يُرفع عمله إلى الله وهو في أحسن حال. وفقًا لـalukah.


















