كشفت دراسة بحثية جديدة نشرت في يناير 2025 في مجلة وقائع الأكاديمية الوطنية للعلوم. عن وجود أعداد هائلة من الجزيئات البلاستيكية الدقيقة والنانوية في زجاجات المياه المعبأة. وهو ما يعد اكتشافًا مقلقًا يحمل في طياته مخاوف صحية بيئية متزايدة.
فقد وجد الباحثون أن لترًا واحدًا من المياه المعبأة قد يحتوي على ما يصل إلى 370 ألف جزيء بلاستيكي نانوي. وهي جزيئات متناهية الصغر لا يتجاوز حجمها النانومتر الواحد – أي أدق بمئات الآلاف من المرات من سمك ورقة الورق. 90% من هذه الجسيمات المصغرة هي نانوبلاستيك، فيما يشكل الميكروبلاستيك، وهو أكبر حجمًا نسبيًا، بنسبة 10%.

النانوبلاستيك.. الحجم الصغير والخطر الكبير
وفقًا لـ “هيلث” يشير العلماء إلى أن صغر حجم الجزيئات النانوية يجعلها قادرة على اختراق حواجز الجسم الحيوية، مثل الحاجز الدموي الدماغي. ما يثير القلق بشأن قدرتها على الوصول إلى أنسجة حساسة، بما في ذلك الدم والرئتين بالإضافة إلى ذلك الدماغ.
وأكدت الدكتورة فيبي ستابلتون، الأستاذة بجامعة روتجرز والمؤلفة المشاركة في الدراسة، أن “الجسيمات النانوية لا تتوقف عند السطح الخارجي للجسم، بل تتغلغل إلى داخل الخلايا، وهناك دلائل أولية على أنها قد تُسبب الإجهاد التأكسدي، والتهابات، وربما تغييرات في الحمض النووي”.
أما الدكتور بانكاج باسريشا من مايو كلينك، فعبر عن صدمته بنتائج الدراسة، قائلًا: إنها “دعوة حقيقية للتحرك”، مؤكدًا أن الخطر لا يكمن فقط في زجاجات المياه، بل في انتشار البلاستيك في البيئة من حولنا – من الهواء إلى الغذاء.
كيف تدخل هذه الجزيئات إلى زجاجات المياه؟
قام فريق الباحثين بفحص ثلاث علامات تجارية شهيرة للمياه المعبأة في الولايات المتحدة (لم تذكر أسماؤها)، ووجدوا أن زجاجات المياه وأغطيتها – المصنوعة عادة من بولي إيثيلين تيريفثالات (PET) والبولي إيثيلين (PE) – تسهم في تسرب الجسيمات إلى الماء أثناء عمليات التعبئة والنقل. كما تم رصد مواد بلاستيكية أخرى مثل PVC وPP وPS، قد تكون دخلت إلى المياه من المصدر نفسه أو من عمليات الترشيح.
وما يضاعف من خطورة هذا التلوث، أن هذه الجسيمات صغيرة للغاية بحيث لا يمكن ترشيحها باستخدام الفلاتر التقليدية.
هل الجسيمات البلاستيكية ضارة فعلًا؟
رغم أن الأدلة الحالية ما زالت غير قطعية، تشير العديد من الدراسات إلى أن المواد البلاستيكية قد تخلّ بتوازن الهرمونات في الجسم. وتؤدي إلى تأثيرات ضارة على الصحة الإنجابية، والجهاز العصبي، كذلك المناعة. بل وقد تسهم في تطور أمراض مزمنة مثل السكري والسرطان.
وتعتبر مادة البيسفينول A (BPA) أحد أشهر الأمثلة على المواد المثيرة للقلق. إذ حظرت في بعض المنتجات مثل زجاجات الرضّع في الولايات المتحدة. بعد إثبات ارتباطها باضطرابات هرمونية وتكاثرية.

التحديات أمام العلم والوعي المجتمعي
تعد هذه الدراسة واحدة من أولى الخطوات الجادة في رصد النانوبلاستيك بدقة، لكنها تفتح المجال أمام أسئلة كثيرة:
-
ما تأثير هذه الجزيئات على المدى الطويل؟
-
كيف نتعامل مع وجودها الواسع في الغذاء والماء؟
-
وهل يمكن تطوير تكنولوجيا فعالة لفلترتها؟
معظم أبحاث التأثير الصحي ما تزال تجرى على الحيوانات. ولا توجد حتى الآن بيانات بشرية كافية تثبت علاقة سببية مباشرة. ومع ذلك، يعتقد خبراء الصحة أن الوضع يستدعي اليقظة. خاصةً أن هذه الجزيئات تشبه إلى حد كبير الجسيمات الموجودة في تلوث الهواء. والتي ثبت أنها تسبب أضرارًا جسيمة للجسم.

في الختام
علاوة على ذلك، فإن النتائج التي توصلت إليها هذه الدراسة لا تترك مجالًا للشك في مدى انتشار التلوث البلاستيكي. حتى في أكثر ما نظنه “نقيًا”: زجاجة ماء. وبينما قد يكون من المستحيل تجنب البلاستيك بالكامل. إلا أن الطريق إلى الحل يكمن في الابتكار، والتشريعات، بالإضافة إلى ذلك زيادة الوعي المجتمعي.


















