في العديد من المجتمعات، ما يزال تأخر الإنجاب ينظر إليه من زاوية ضيقة تختزل المشكلة في المرأة وحدها، لتتحول بذلك من طرف شريك في رحلة البحث عن الأمومة والأبوة إلى محور الاتهام الأول، وسط نظرات اجتماعية قاسية وتساؤلات متكررة تتجاوز حدود الفضول إلى الضغط النفسي المباشر.
ورغم تأكيد الطب الحديث أن أسباب العقم قد تعود إلى الرجل أو المرأة أو كليهما، إلا أن الموروث الاجتماعي لا يزال يرسخ فكرة تحميل الزوجة المسؤولية، ما يضعها في مواجهة مزدوجة بين معاناة طبية وضغط اجتماعي متواصل.
تشخيص العقم مسؤولية مشتركة بين الزوجين
وتؤكد الدكتورة سارة فتال؛ طبيبة النساء والتوليد، أن تأخر الإنجاب يعد من الحالات الشائعة في العيادات الطبية، وغالبًا ما تبدأ رحلة التشخيص بالزوجة باعتبارها الطرف الذي يتوجه أولًا للفحص. حيث تجرى لها التحاليل والفحوصات اللازمة للكشف عن الأسباب المحتملة.
لكن الطبيبة توضح أن هذه الخطوة لا تكفي وحدها، إذ قد تكون نتائج الفحوصات سليمة تمامًا لدى الزوجة؛ ما يستدعي انتقال التشخيص إلى الزوج، باعتبار أن المشكلة قد تكون لدى أحد الطرفين أو كليهما. كما شددت على أن علاج طرف واحد دون الآخر لا يحقق نتائج فعالة.

رفض الفحوصات وتأثيره على مسار العلاج
وتشير فتال إلى أن بعض الأزواج يرفضون إجراء الفحوصات الطبية، بدافع اعتقاد خاطئ بأن المشكلة لا يمكن أن تكون منهم، رغم أن التحاليل المطلوبة بسيطة في كثير من الحالات. وقد يقتصر العلاج على أدوية أو مكملات غذائية.
وترى أن هذا الرفض يعيق الوصول إلى تشخيص دقيق، ويؤخر بدء العلاج المناسب. بل قد يدفع الأطباء أحيانًا إلى تعليق المتابعة الطبية إلى حين تعاون الطرف الآخر.
وبحسب “الأيام نيوز” تلفت إلى أن بعض حالات تأخر الإنجاب قد تتطلب اللجوء إلى التلقيح الاصطناعي، إلا أن هذا الخيار يقابل بالرفض أحيانًا لأسباب مادية أو فكرية، رغم كونه الحل الطبي المتاح في بعض الحالات.
ضغط اجتماعي يضاعف معاناة المرأة
وتؤكد الطبيبة أن العبء الأكبر من تأخر الإنجاب يقع غالبًا على المرأة، ليس طبيًا فقط، بل اجتماعيًا ونفسيًا أيضًا، حيث تتعرض لضغوط مستمرة وتعليقات متكررة تزيد من توترها، رغم أن السبب قد يكون غير مرتبط بها أصلًا.
كما تشير إلى أن غياب الوعي المجتمعي بطبيعة المشكلة يرسخ فكرة خاطئة بأن المسؤولية تقع على الزوجة وحدها. ما يفاقم من معاناتها النفسية ويؤثر على استقرار العلاقة الزوجية.
شهادات نسائية تكشف الألم الصامت
وفي هذا السياق، تروي السيدة فاطمة، إحدى النساء اللواتي خضن تجربة تأخر الإنجاب، أن الأسئلة المتكررة من المحيط العائلي تحولت إلى عبء نفسي ثقيل، قائلة إن نظرة المجتمع جعلتها تشعر وكأن قيمتها مرتبطة بالإنجاب فقط.
وتضيف أنها خاضت جميع الفحوصات الطبية، بينما رفض زوجها إجراء التحاليل. ما جعلها تتحمل وحدها عبء المتابعة الطبية وضغط التوقعات الاجتماعية في آن واحد.
كلمات المجتمع.. ألم لا يقل قسوة عن العلاج
وتشير فاطمة إلى أن بعض التعليقات العائلية زادت من عمق معاناتها. حيث كانت توجه إليها ملاحظات تحملها مسؤولية المشكلة. إلى جانب اقتراحات تمس استقرار حياتها الزوجية، مثل التلميح بزواج الزوج مرة أخرى.
وترى أن هذه المواقف، رغم بساطتها الظاهرة، تترك أثرًا نفسيًا عميقًا يفوق أحيانًا صعوبة العلاج نفسه.

بين الطب والمجتمع.. فجوة تحتاج إلى وعي
وفي ختام شهادتها، تؤكد فاطمة أن التجربة علمتها أن المشكلة لا تكمن فقط في الجانب الطبي؛ بل في نظرة المجتمع التي تسبق الحقائق العلمية. حيث ما زال كثيرون يحملون المرأة المسؤولية الأولى عند تأخر الإنجاب.
وتشدد على أن التعامل مع العقم باعتباره مسؤولية مشتركة بين الزوجين. إلى جانب رفع مستوى الوعي المجتمعي، يمكن أن يخفف من حجم المعاناة النفسية التي تعيشها الكثير من النساء في صمت


















