مع حلول عام 2026 أصبح أحد التحديات العالمية يظهر في السؤال حول: كيف يمكن أن يخدم الذكاء الاصطناعي المرأة والطفل؟ وهل المجتمع والقانون مستعدان لحمايتهما في هذا العالم الجديد؟
المرأة في عصر الذكاء الاصطناعي.. فرص جديدة وتمكين رقمي
فتح الذكاء الاصطناعي أبوابًا واسعة أمام النساء للمشاركة في الاقتصاد الرقمي، سواء عبر العمل عن بُعد، أو ريادة الأعمال الرقمية، أو الدخول في مجالات جديدة مثل تحليل البيانات والأمن السيبراني وتطوير التطبيقات.
كما ساعدت التقنيات الذكية على تحسين فرص التعليم والتدريب، إذ يمكن للنساء اليوم الوصول إلى منصات تعليمية عالمية، واكتساب مهارات تقنية متقدمة دون الحاجة إلى قيود المكان أو الوقت.
لكن هذه الفرص لا تخلو من التحديات. فبعض الخوارزميات قد تحمل تحيزات غير مقصودة لأنها تعتمد على بيانات تاريخية ربما لم تكن عادلة للنساء؛ ما قد يؤدي إلى قرارات غير متكافئة في التوظيف أو التمويل أو التعليم.
الخصوصية.. التحدي الأكبر في العالم الرقمي
مع انتشار الكاميرات الذكية وتقنيات التعرف على الوجوه وجمع البيانات، أصبح التهديد للخصوصية الرقمية أكثر تعقيدًا.
فالبيانات الشخصية قد يتم جمعها وتحليلها دون علم المستخدم، وهو ما يثير مخاوف حقيقية خاصة لدى النساء اللاتي قد يتعرضن للاستغلال أو التشهير عبر الإنترنت.
ومن أخطر التحديات الجديدة ما يعرف بـ التزييف العميق (Deepfake)، وهي تقنية تعتمد على خوارزميات الذكاء الاصطناعي لإنشاء صور أو مقاطع فيديو تبدو حقيقية لكنها في الواقع مزيفة.
تستخدم هذه التقنية شبكات عصبية متقدمة تُعرف باسم الشبكات التوليدية التنافسية (GANs). حيث يعمل جزء من النظام على إنشاء محتوى مزيف، بينما يحاول جزء آخر كشفه. والنتيجة محتوى يصعب على البشر التمييز بينه وبين الحقيقة.
الأطفال في قلب التحدي الرقمي
لا تقتصر مخاطر التزييف العميق على النساء فقط، بل تمتد إلى الأطفال الذين أصبحوا أكثر عرضة للاستغلال الرقمي.
تشير تقارير حديثة إلى ارتفاع كبير في حالات تضرر الأطفال من تقنيات الذكاء الاصطناعي. حيث ارتفع عدد الحالات المسجلة من نحو 4700 حالة عام 2023 إلى أكثر من 67 ألف حالة في 2024.
كما حذرت منظمة اليونيسف من أن ما لا يقل عن 1.2 مليون طفل قد يتأثرون بتقنية التزييف العميق خلال عام واحد، سواء عبر نشر صور مزيفة أو رسائل كاذبة أو عمليات احتيال إلكترونية.
وفي تجربة حديثة، فشل 85% من المشاركين في التمييز بين الأصوات الحقيقية والمعدلة بالذكاء الاصطناعي؛ ما يعكس حجم التحدي الذي يواجه المجتمعات في اكتشاف الخداع الرقمي.
عندما يصبح الذكاء الاصطناعي حارسًا للأمان
رغم هذه المخاطر، فإن التكنولوجيا نفسها يمكن أن تكون جزءًا من الحل.
فالذكاء الاصطناعي قادر على كشف التزييف العميق من خلال تحليل تفاصيل دقيقة لا يمكن للإنسان ملاحظتها، مثل:
- حركة الشفاه غير الطبيعية
- اختلاف انعكاسات الضوء
- أنماط البيكسل غير المتناسقة
- تغيرات الصوت غير الواقعية
كما تعمل بعض منصات التواصل الاجتماعي على تطوير أنظمة إنذار ذكية تنبه المستخدمين أو أولياء الأمور. إذا تم استخدام صورهم أو بياناتهم بشكل مزيف.
هل القانون مستعد لعصر الذكاء الاصطناعي؟
تؤكد الدكتورة دعاء محيي الدين، أن القوانين التقليدية لم تعد كافية لمواجهة التحديات الجديدة التي يفرضها الذكاء الاصطناعي.
ولهذا بدأت دول عديدة في تطوير تشريعات حديثة، مثل قانون الاتحاد الأوروبي للذكاء الاصطناعي الذي يضع قيودًا على الأنظمة الخطرة ويلزم الشركات بالشفافية في استخدام التكنولوجيا.
كما تبنت دول مجموعة البريكس قوانين لحماية الاستقلال الرقمي ومنع جمع البيانات دون إذن.
أما في مصر، فقد تم إصدار قوانين مهمة، مثل:
- قانون مكافحة الجرائم الإلكترونية رقم 175 لسنة 2018
- قانون حماية البيانات الشخصية رقم 151 لسنة 2020
لكن الخبراء يرون أن هذه القوانين تحتاج إلى تحديث مستمر لمواكبة التطور السريع للتكنولوجيا. خاصة في قضايا مثل التزييف العميق والقرارات الخوارزمية غير العادلة.
من الحماية إلى التمكين
الحماية القانونية وحدها لا تكفي. فالمستقبل يتطلب تمكين النساء رقميًا ومنحهن الفرصة للمشاركة في صناعة التكنولوجيا نفسها.
ومن بين المبادرات المقترحة:
- تصميم تطبيقات توعوية تعرف النساء بحقوقهن الرقمية
- إنشاء مراكز وطنية لفحص الخوارزميات واكتشاف التحيزات
- دعم النساء لدخول مجالات الذكاء الاصطناعي والبرمجة
- تدريب الأمهات والأطفال على الاستخدام الآمن للتكنولوجيا
سلاح ذو حدين
الحقيقة أن الذكاء الاصطناعي ليس عدوًا للمرأة أو الطفل، بل يمكن أن يكون أحد أهم أدوات الحماية والتمكين في العصر الحديث.
لكن الفرق الحقيقي لا يصنعه التطور التقني وحده، بل الطريقة التي نستخدم بها هذه التكنولوجيا.
فإذا تم توظيف تلك التقنية وفق قواعد أخلاقية واضحة وقوانين عادلة، يمكن أن يتحول من خطر محتمل إلى درع رقمي يحمي مجتمعاتنا ويصون حقوق النساء والأطفال.
بقلم: الدكتورة/ دعاء محيي الدين؛ عضو هيئة تدريس بقسم الذكاء الاصطناعي بكلية الحاسبات والمعلومات بالجامعة المصرية الصينية.



















