الفن.. طـاقة جماليـــة

قام الفن بخروقات تجاوزت متطلبات الذوق السائد، وأحيانًا تخدشه بعنف لمصلحة فضاء تعبيري مبتكر داخل عوالم جديدة في الموسيقى، كما أعلنت رواية “يوليسيس” للكاتب الإيرلندي جيمس جويس، المنشورة في ديسمبر 1920، عن احتضار اللحن بعد التمرد على كل ما يمتّ بصلة إلى الغناء الرومانسي.
وعلق الناقد الإنجليزي إدموند ولسون على هذه الرواية قائلًا: “إننا نسمع أصواتًا ولا نرى وجوهًا، إنها مجرد مجموعة أصوات داخلية ومتداخلة، رواية تجمع بين المهرجان العالمي، وكرنفال العلم والأدب واللغة والفلسفة والدين، وتعبث بخط السرد التقليدي”.
ونالت الأصوات كليًا من الحدث، وهو عنصر التشويق المفترض في الرواية، لصالح الحفر الذاتي بمجهر عملاق، فتنعدم الحركة في الرواية محدثة تحولًا ضخمًا، إذ تخلت الرواية عن الوصف فهدمت الصورة، وحلّ الصوت على حسابها، فأعلنت الرواية احتضار السرد بطريقة ما.
وعندما ذهب الجمهور لمشاهدة عرض باليه “طقوس الربيع” في باريس عام 1913، كان ينتظر أن يستمتع بشظايا الرومانسية، وأن تكون الموسيقى بعذوبة غنائية ممتعة، لكن الموسيقار الروسي الشاب إيغور سترافنسكي خيّب أمل الجمهور بموسيقى عنيفة وأصوات حادة وإيقاعات صاخبة، احتلت فيها آلات النفخ الموسيقية مساحات شاسعة مفرطة في الضجيج.
كانت الموسيقى مشاغبة في هدمها للحن، فتحوّل العرض الأول إلى مشهد مأساوي وشلال عنيف من الأصوات الحادة التي بدت متماهية مع قصة طقوس وثنية بدائية تنتهي بتقديم فتاة أضحية ترقص حتى الموت. لذلك تميزت الموسيقى بتوزيع أوركسترالي قوي ذي إيقاعات معقدة ومربكة وهارمونيات حديثة ضربت كل المفاهيم التقليدية للموسيقى والباليه. ويصدق الاعتقاد في مثل هذه الحالة بأن الفن تحوّل من مرآة للمجتمع إلى عمل مرجعه الذات، لكن مع الوقت تحوّل هذا العمل إلى لحظة كلاسيكية مع تطور الموسيقى العالمية.
يقول الفيلسوف الألماني هيجل إن الموسيقى “تحتل مكانتها كفن حقيقي عندما تنجح في التعبير عن المشاعر الروحية وعن الأحاسيس”، في حين يناهض المؤلف الموسيقي الروسي سترافنسكي هذا الموقف الجمالي الكلاسيكي والرومانسي قائلًا: “الموسيقى عاجزة عن التعبير عن أي شيء، سواء كان شعورًا أو موقفًا أو حالة نفسية”.
فهل حقًا الموسيقى لا تثير المشاعر؟ وهل علة وجودها لا تكمن في كفاءتها في التعبير عن الأحاسيس؟
من كل ما سبق، يشرق أمامنا سؤال: هل يتحدد شكل العمل الفني في سياق التطور بمثابة قانون؟ بمعنى، هل إن موت السرد صار التزامًا روائيًا؟ أو أن موت اللحن أصبح قانونًا موسيقيًا في الواقع؟
كثيرًا ما تفسد الأفكار ذائقة الفن، فقد وقف سترافنسكي ضد ما اعتبره الاعتباط الفكري أو الأدبي للموسيقى، وبهذا أراد وضع نهاية لاحتكار رجال الأدب لتفسير الموسيقى، فكان موقفه مضادًا لتأويلات ترى أن في الفن محتوى فكريًا خالصًا.
البعض يرى في الفن تعويضًا عمّا نفتقده في الواقع، بينما يتساءل آخرون: لماذا نحتاج إلى الشعر والموسيقى والسينما؟ إنها تساؤلات تفتح الباب لتفسيرات كثيرة عن قيمة الفن وأهميته في حياتنا. وأحد أكثر هذه التفسيرات ذكاءً يتجلى في مقولة المخرج والكاتب المسرحي الفرنسي جان كوكتو: “الشعر ضرورة”.
وفي مقالها بعنوان “ضد التأويل”، تقول الناشطة السياسية والروائية الأمريكية سوزان سونتاج: “التأويل هو انتقام الفكر من الفن، وصورة هذا الانتقام الفكري تتجلى في إدانة فن أدبي لم يتعرف على القوة التي ستغيّر العالم”.
إن أقسى ما يشوّه الفنان أن تُحبس أعماله وتُحصر في بوتقة التضخم الفكري على حساب الطاقة الجمالية، إذ يمكن تفسير عمل فني بوصفه مرجعًا لقراءة سيكولوجية عن الفنان. فكل تحفظ سياسي أو التزام فكري أو تشدد اجتماعي قد ينعكس سلبًا على المحتوى الجمالي. ويرسم الأستاذ الجامعي البريطاني ديفيد هارفي، المنظّر الاجتماعي والجغرافي الماركسي، في كتابه “حالة ما بعد الحداثة”، صورة فشل الفن الملتزم من خلال بحثه في أصول التغيير الثقافي.
وقد أكد أن نتائج تزمت السريالية والبنائية والواقعية الاشتراكية لم تكن متماسكة ولا منسجمة، والواضح أن المعنى هو سلبية الحضور الأيديولوجي في توظيف الفن لترويج قيمه وأفكاره، إذ سقط في الحفرة الدعائية كثير من الشعر الثوري بعدما خنقت الهتافات ميزته الشعرية.
يتفوق الفن على أي فكرة أو شعور أو مضمون، باعتباره طاقة جمالية وشهوة تحرر خالصة، تكمن قيمته في صنع الفارق الجمالي من خلال عجزه التعبيري المباشر عن فكرة أو شعور واضح، عبر التواءاته التعبيرية ومساراته اللولبية وخروجه عن قاعدة الوعظ. يستثمر الفن الواقع لمصلحته الجمالية، لكنه لا يحتمل الصلات التي يصنعها البعض بين الفن والواقع.
إذ يتجلى الفن في استمراريته الأبدية وبحثه الدائم في التاريخ عن عناصر جديدة لصياغة متحف جمالي حديث، وهو ما تحاول القيم الجديدة للرواية، بحسب منظّري الحداثة، تحقيقه؛ العيش داخل المتشظي والمتقطع والفوضوي، رفض الماورائيات، نبذ صور الكمال، والتقاط الجزئي، واحتواء كل ما هو منبوذ وعرضي. إنه يقدم الاختلاف رهانًا على هدم مركزية الأيديولوجيات في فضاء لغة غير قطعية تستقصي التعدد وتصادم الأفكار، حيث لا يجب على اللغة أن تملي واجبات معينة أو تطرح حلولًا شاملة.

الرابط المختصر :