في كل خريف، تستقبل رياض الأطفال دفعة جديدة من الصغار، يحمل كثير منهم حقائب مدرسية تكاد تبدو أكبر من أجسادهم. غير أن أطفال اليوم يختلفون عن أجيال سابقة في جانب أساسي؛ فقد نشأوا في عالم لم يعرفوا فيه الحياة من دون الهواتف الذكية، والأجهزة اللوحية. وخدمات بث الفيديو، وغيرها من الوسائل الرقمية التي أصبحت جزءًا من تفاصيل الحياة اليومية.
ومع الانتشار المتزايد للشاشات في حياة الأطفال، أصبحت مسألة استخدامها خلال السنوات الأولى من العمر مصدر قلق وتساؤل لدى كثير من الآباء. وتؤكد التوصيات الطبية أهمية الحد من وقت الشاشة لدى الأطفال الصغار، ليس لأن التكنولوجيا تمثل خطرًا في حد ذاتها، وإنما لأن الوقت الذي يقضيه الطفل أمام الشاشة قد يأتي أحيانًا على حساب أنشطة أخرى ضرورية لنموه.
السنوات الأولى.. مرحلة حاسمة في بناء شخصية الطفل
خلال السنوات الخمس الأولى من العمر، يمر الطفل بمرحلة نمو وتطور سريعة جدًا. ولا يقتصر هذا التطور على الجانب الجسدي، بل يشمل الدماغ واللغة والقدرات الاجتماعية والعاطفية. ففي هذه المرحلة، يتعلم الطفل أساسيات التواصل والتفاعل من خلال علاقته بالأشخاص والعالم المحيط به.
فعندما يتحدث أحد الوالدين مع طفله أثناء التسوق، يستمع الطفل إلى الأصوات وإيقاع اللغة. وعندما يصدر الرضيع أصواتًا ويستجيب له والده أو والدته يبدأ في فهم أن التواصل عملية متبادلة. وعندما يشير أحد الوالدين إلى صورة في كتاب ويذكر اسمها، يبدأ الطفل في الربط بين الكلمات والأشياء التي يراها.

تمثل هذه المواقف تجارب تعليمية مهمة تسهم في تطور اللغة والقدرات الإدراكية والاجتماعية لدى الطفل. ولهذا فإن الاستعداد للمدرسة لا يبدأ في اليوم الأول من رياض الأطفال، بل يبدأ منذ السنوات الأولى من حياة الطفل.
المشكلة ليست في الشاشة وحدها بل فيما تحل محله
لا يحتاج الطفل إلى أن تكون كل دقيقة من يومه مليئة بأنشطة تعليمية منظمة. ففي كثير من الأحيان، تكون أبسط التجارب هي الأكثر أهمية لنموه.
الرضيع الذي يصدر صوتًا وينتظر أن يجيبه شخص ما يتعلم التواصل. والطفل الذي يجلس في حضن والده ويقلب صفحات كتابه المفضل، حتى لو كان يتجاوز بعض الصفحات أو يعود إليها، يتعلم الاستماع والملاحظة والتفاعل.
أما طفل ما قبل المدرسة الذي يشعر بالملل فيحوّل صندوقًا من الورق المقوى إلى منزل أو مركبة فضائية أو مكان للنوم بالنسبة إلى ألعابه، فإنه يمارس الخيال والإبداع وحل المشكلات.
هذه اللحظات اليومية تمنح الأطفال فرصًا للتحدث والاستماع والتخيل والاستكشاف والتواصل. إذا أصبحت الشاشة الوسيلة التلقائية لملء كل لحظة هدوء أو ملل، فقد تقل فرص الطفل في بدء محادثة، أو ابتكار لعبة من تلقاء نفسه، أو اكتشاف محيطه. أو حتى تعلم كيفية التعامل مع الشعور بالملل.

التكنولوجيا ليست عدوًا للأسرة
رغم المخاوف المرتبطة بوقت الشاشة، فإن التكنولوجيا أصبحت جزءً لا يمكن تجاهله من الحياة المعاصرة. لذلك، ليس من الواقعي أن نتوقع طفولة خالية تمامًا من الشاشات، كما أن استخدام الجهاز في بعض المواقف قد يكون مفيدًا أو ضروريًا.
فقد يحتاج أحد الوالدين إلى إعطاء طفله جهازًا لوحيًا أثناء إعداد العشاء، أو أثناء إنجاز بعض الأعمال، أو خلال رحلة سفر طويلة. ولا ينبغي أن يتحول ذلك إلى مصدر دائم لشعور الآباء بالذنب، خصوصًا أن الحياة اليومية تفرض عليهم مسؤوليات عديدة.
الأهم هو ألا تتحول الشاشة إلى البديل التلقائي للتفاعل الإنساني. فحتى عندما يكون المحتوى تعليميًا، يمكن أن يأخذ جزءً من الوقت الذي كان من الممكن أن يستثمر في الحديث واللعب والقراءة والتفاعل المباشر.
الاستعداد للمدرسة
عندما نفكر في استعداد الطفل لرياض الأطفال، غالبًا ما نركز على المهارات الأكاديمية، مثل معرفة الأرقام والحروف أو القدرة على كتابة الاسم.
يدخل الطفل المدرسة وهو يحمل معه سنوات من الخبرات التي ساعدت على تشكيل طريقة تواصله واستماعه، وقدرته على التعامل مع الإحباط، واستكشاف الأفكار، والتفاعل مع الآخرين.

إن الطفل الذي شارك في محادثات متكررة مع والديه أو مقدمي الرعاية يكون قد مارس بالفعل مهارة تبادل الأدوار في الحديث قبل أن يتعلم مفهومها رسميًا. والطفل الذي اعتاد على اللعب الحر يكون قد اكتسب فرصًا لتطوير خياله وقدرته على اتخاذ القرارات وحل المشكلات.
ومن هنا تأتي أهمية دور الأسرة ومقدمي الرعاية في التعلم المبكر، إذ لا يحدث التعلم فقط من خلال التطبيقات التعليمية أو الأنشطة المنظمة، بل يحدث أيضًا أثناء القراءة، وتناول الطعام، والمشي، واللعب، وتغيير الحفاضات، وحتى خلال اللحظات التي لا يحدث فيها شيء محدد.
الكتاب مهم.. لكن التفاعل حوله أهم
تظل القراءة المشتركة من الأنشطة المهمة في السنوات الأولى من حياة الطفل إن الكتاب يوفر فرصة للجلوس معًا، والنظر إلى الصور، وطرح الأسئلة، وتسمية الأشياء، والاستماع إلى الكلمات، والتحدث عنها.
وتشير الدراسات إلى أن القراءة من الكتب المطبوعة يمكن أن تشجع على تفاعل أكثر فاعلية بين الطفل ومقدم الرعاية. كما قد تقلل بعض عوامل التشتيت المرتبطة بالأجهزة الرقمية. ومع ذلك، فإن قيمة الكتاب لا تكمن في صفحاته وحدها، وإنما أيضًا في التفاعل الذي يحدث حوله.
فعندما يقرأ الأب أو الأم لطفله، لا يتلقى الطفل الكلمات فقط، بل يأخذ من نبرة الصوت، وتعابير الوجه، والأسئلة، والإشارات. والاستجابة لما يقوله أو يفعله. وهذا التفاعل المباشر هو جزء أساسي من عملية التعلم.

حماية اللحظات البسيطة من هيمنة التكنولوجيا
إن التعامل الصحي مع التكنولوجيا لا يعني منعها تمامًا، وإنما يعني حماية بعض اللحظات اليومية التي يحتاج إليها الطفل للنمو والتعلم.
وقد يكون ذلك من خلال وضع الكتب في متناول الطفل وقراءتها معه قبل النوم. أو التحدث إلى الرضيع أثناء العناية به، أو سؤال الطفل عما يراه أثناء المشي. أو منحه مساحة للعب بحرية دون أن تكون هناك شاشة جاهزة لتشتيت انتباهه عند أول لحظة يشعر فيها بالملل.
كما أن الأمر لا يتعلق بالأطفال وحدهم، فالطفل يلاحظ أيضًا سلوك البالغين من حوله. فعندما ينشغل الوالدان باستمرار بهواتفهما أثناء وجود الطفل، الرسالة التي تصل إليه لا ترتبط فقط باستخدام الهاتف، وإنما بما يستحق الانتباه والتركيز.
وضع الهاتف جانبًا أثناء الحديث مع الطفل أو اللعب معه قد يكون في حد ذاته وسيلة مهمة لتعزيز التواصل وإظهار أهمية العلاقة الإنسانية.
طفولة جديدة في عالم أكثر اتصالًا
لقد نشأ أطفال اليوم في عالم تتنافس فيه العديد من الوسائل والتطبيقات على جذب انتباههم. ومن المرجح أن تصبح التكنولوجيا أكثر حضورًا في حياة الأجيال القادمة، وربما في أعمار أصغر.

تبدو السنوات الأولى من عمر الطفل أكثر أهمية من أي وقت مضى، إذ أن التحدي الحقيقي لا يتمثل في اختيار التكنولوجيا أو رفضها. وإنما في تحقيق التوازن بينها وبين التجارب الإنسانية التي لا يمكن للشاشة أن تحل محلها بالكامل.
يحتاج الطفل إلى أن يسمَع عندما يتحدث، وأن يجاب عندما يناغي، وأن يحتضن أثناء قراءة قصة، وأن يترك أحيانًا ليشعر بالملل ويكتشف بنفسه ماذا يمكنه أن يفعل. ويحتاج أيضًا إلى أن يرى والديه حاضرين معه، لا جسديًا فقط، وإنما بانتباههما واهتمامهما.
لا تقاس جودة الطفولة بعدد التطبيقات التعليمية التي استخدمها أو عدد الساعات التي ابتعد فيها عن الشاشة. وإنما بثراء التجارب والعلاقات التي أحاطت به خلال سنواته الأولى. فالتكنولوجيا ستستمر في التطور، لكن حاجة الطفل إلى التواصل واللعب والخيال والاهتمام الإنساني تظل ثابتة ولا بد منها.
















