كتبت ـ صبحة بغورة
عندما تقف أمام طفل يجعل من كلمة يقلب الحروف والأرقام، فيقول “بأ” بدلا من “أب”، ويكتب “51” وهو يقصد “15”. ويحذف أجزاءً من الكلمات أو يستبدلها بالكامل، فأنت أمام طفل عبقري.
هذا الطفل ستجده يعاني أيضًا من اضطراب في اكتساب اللغة المكتوبة، حيث يتأخر في تعلم القراءة والكتابة، منذ مراحل التعليم الأولى. كما يجد صعوبة في تعلم وحفظ الحروف الأبجدية. وغالبا ما يتحصل على علامات سيئة في المدرسة. كما يتعرض للسخرية من الآخرين، لعدم قدرته على التمييز بين الكلمات والحروف بشكل صحيح. في حين أن يكون أيضًا عاجزا على تكوين جمل بسيطة، أو ذكر محتوى ما سيق أن قرأه.
هذا كله يطلق عليه “العسر القرائي” أو “عمى الكلمات”. وهو في الحقيقة عجز ضرب الكثير من الأطفال العباقرة، مثل: ألبرت اينشتاين، وليوناردو دافنشي، وبابلو بيكاسو، وغيرهم. لذا فإن نموذج الديسليكسيا أو ما يُعرف بعسر القراءة والكتابة مرض يصيب العباقرة.
الديسليكسيا.. مرض العباقرة
بينما الديسليكسيا واحد من أكثر أنواع صعوبات التعلم شيوعا، وهو مرتبط بطريقة معالجة اللغة. وعادة ما يجد الأطفال صعوبة في القراءة والكتابة، بسبب الاختلاف في تركيبة المخ، الذي يتعامل مع تحليل اللغة. فإنه يؤثر بالتالي على المهارات الضرورية المطلوبة للتعلم. سواء في القراءة أو الكتابة أو الإملاء أو الأرقام.
كما أن طفل الديسليكسيا يعاني خللا في تحديد الاتجاهات التي يفترض أن تقود الإنسان. فلا يعود قادرا على التمييز بين يمينه ويساره. كما يعكس الحروف والأعداد والكلمات.
أي أن عسر القراءة هو نتيجة لخلل أصاب الدماغ لأسباب جينية بيولوجيةـ تسفر عن مشاكل في التعامل مع اللغة. كما أنها خليط يتألف من صعوبات ومن نشاط قوي، فيما يتنوع في درجته من شخص إلى آخر.
علاوة على ذلك فإن الأشخاص المصابين بهذا المرض يتمتعون بمواهب مميزة، إلى جانب ما يواجهونه من مشاكل في حياتهم اليومية. إذ يجدون صعوبة في القراءة والكتابة في العمر الطبيعي خارج نطاق أي إعاقة عقلية أو حسية. في حين لا ينتبه الوالدان أو المعلمون لوجود هذه المشكلة، فيتم التعامل مع الطفل على أنه منخفض الذكاء أو بطيء التعلم.
بينما هناك من يؤكد وجود علاقة بين تأخر الذكاء والديسليكسيا. لكن على العكس نجد أن نسبة عالية ممن يعانون من عسر تعلم القراءة والكتابة يتمتعون بالذكاء. وعليه فانخفاض مستوى الذكاء ليس هو العامل الأساسي المسبب لهذه الإعاقة. فهي تصيب الطفل متوسط الذكاء، وأيضًا مرتفعه، والمتخلف عقليًا.
في حين أن الاعتقاد بأن قصور الذكاء هو أحد العوامل المسببة لعسر القراءة والكتابة، يعد خطأ حيث يرجع إلى أن هناك بعض العوامل الأخرى المشتركة بينه وبين التخلف العقلي. ففي الحالتين يحدث تأخر في تعلم القراءة، لكن الفرق أن الطفل الذي يعاني من الديسليكسيا يكون تعلمه متأخرًا من سنة إلى سنتين بالنسبة إلى الطفل العادي.

متى تظهر أعراض الديسيلكسيا؟
فيما تظهر أعراض الديسيلكسيا في مرحلة الطفولة المبكرة، عند السنة الرابعة. عندما يبدأ الطفل في حفظ الكلمات، فينسى أسماء الأشياء المعروفة. مع ملاحظة البطء في تعلم الكلام. ومن أعراض هذا المرض:
عكس الحروف أثناء القراءة.
عدم التأكد من القراءة بالنسبة لليمين واليسار. بالإضافة إلى صعوبة في معرفة الاتجاهات مكتوبة أو منطوقة. مع ضعف الذاكرة البصرية بالنسبة للكلمات.
كما أنه من المؤكد أن هنالك سبب فسيولوجي لتلك الاضطرابات، لذا فمن المهم أن نفهم أن الأطفال لا يعانون من هذه الصعوبات. لأن لديهم مشاكل بصرية وسمعية، أو لأنهم أغبياء. لكن السبب أن الدماغ غير قادر على معالجة اللغة بصورة طبيعية، مما يسبب القلق والإحباط للطفل.
أنواع الديسليكسيا
يذكر المختصون فروقا تميز بين مرض الديسليسكيا، وبين الأليكسيا من الناحية اللغوية. وهو أن مفهوم الأليكسيا يشير إلى العجز التام عن القراءة والكتابة، أي عدم القدرة الكلية. أما مفهوم الديسليكسيا فإنه يشير إلى وجود قصور أو خلل أو عيوب في القراءة. أما الاشتراك بينهما فهو أن الحاصل في الحالتين لا يرجع لأي سبب يتعلق بانخفاض مستوى الذكاء، أو ضعف التدريس، أو القصور في التعليم. أو الاضطرابات الانفعالية، أو الحرمان البيئي، أو الثقافي أو المستوى الاقتصادي.
كما أن المريض بحالة الأليكسيا لا يستطيع أن يقرأ إلا أنه يستطيع أن يتعرف ويدرك الحروف التي يتم تهجئتها له جهريا. فهو لا يفقد ذاكرة تهجئة الكلمات. بينما تمثل الديسليكسيا حالة من الاضطراب الحاد في الإدراك البصري، أو الإدخال البصري. لوجود عطب في المخ يمنع المعلمات البصرية من الوصول إلى قشرة النصف الأيسر من المخ.
في حين أن هناك حالة ثانية وهي الديسليكسيا النمائية، وتتمثل في صعوبات قرائية أيضًا. إلّا أن هذه الصعوبات ليست عارضة لكنها صعوبات متأصلة واضحة للعيان، وتحدث في بدايات النمو المبكرة من حياة الطفل في تعلم القراءة. والسبب الواضح لهذا النوع هو إصابة خاصة في الجهاز العصبي. ويتمثل النوع الثالث في الديسليكسيا المكتسبة ،وهي القراءة الخاطئة بسبب الإصابة في المخ لدى أفراد كانوا يعرفون القراءة من قبل.
التشخيص المبكر
في الوقت نفسه هناك ضرورة أكيدة لإجراء التشخيص المبكر لهذا المرض، وتوفير برامج مسح للأطفال ما قبل المدرسة. وإعطاء خدمات المساندة سواء في المنزل أو المدرسة والرعاية المناسبة. علاوة على انضمامهم إلى برنامج تعليمي خاص تتعدد فيه وسائل شرح قواعد القراءة والكتابة بصورة مدروسة. تستخدم فيها وسائل سمعية وبصرية وحسّية مختلفة. بحيث تمكن الطفل من اكتساب مهارات للتغلب على تلك الصعوبات، ويتخطى بذلك حدود إعاقته.
كما أن العديد ممن يعانون من عسر القراءة والكتابة حينما يلقون الرعاية الواجبة تتفتق لديهم مواهب قد تميزهم عن أقرانهم، في مجالات صعبة. كالفنون وعلوم الكمبيوتر والموسيقى. ففنانون ومبدعون كبار استطاعوا التغلب على هذه الإعاقة والوصول إلى مرتبة عالية من العلم والمعرفة.

خيارات العلاج
هناك طريقة تعداد الوسائط أو الحواس، التي تعتمد على استخدام الحواس الأربع: البصر، والسمع، واللمس، والحس الحركي في تعليم القراءة. ومن خلال هذه الطريقة يمكن إحداث نوع من التكامل لتسهم جميعها بصورة أكثر فعالية في الاستقبال النشط للمعلومات.
هذا المرض أصاب الكثير من العباقرة والموهوبين في مختلف مجالات العلوم والفنون، ومع ذلك فهو مجهول في الكثير من المجتمعات العربية. إذ إن حملات التوعية للكشف المبكر عنه محدودة، وبالتالي ففرص تجنب آثاره المدمرة، وتفادي حدوث مضاعفاته على مستقبل الأطفال تبدو قليلة.

















