قد يبدو الخلط بين اليمين واليسار أمرًا بسيطًا يحدث من وقت لآخر، لكن هذه الصعوبة ليست نادرة كما قد يعتقد البعض. وتشير التقديرات إلى أن نحو 10% إلى 15% من الأشخاص يواجهون هذا الالتباس بشكل متكرر. سواء أثناء القيادة أو عند اتباع التعليمات أو تحديد اتجاه معين.
وفي معظم الحالات، لا يسبب الخلط بين الجانبين مشكلة خطيرة، إلا أن الوضع يختلف عندما يحدث في بيئات تتطلب دقة عالية. مثل غرف العمليات. ففي بعض الحالات الطبية، قد يؤدي الخطأ في تحديد الجانب الأيمن أو الأيسر إلى عواقب خطيرة على المريض.
عندما يتحول الخلط إلى خطأ طبي خطير
تخيل مريضًا يعاني من سرطان في الكلية اليسرى ويحتاج إلى استئصالها لمنع انتشار المرض. لكن الجراح يخطئ في تحديد الجانب ويستأصل الكلية السليمة الموجودة في الجهة اليمنى. في هذه الحالة، قد يجد المريض نفسه دون كلية عاملة، رغم أن العضو الذي كان من المفترض استئصاله هو الآخر.







ويعد هذا النوع من الأخطاء من الأخطاء الطبية التي يفترض إمكانية منعها بالكامل. لأنها لا ترتبط بمضاعفات غير متوقعة للعملية بقدر ما ترتبط بخطأ يمكن تجنبه من خلال إجراءات التحقق والسلامة الطبية.
ورغم توفر العديد من الاختبارات النفسية التي تقيس القدرة على التمييز بين اليمين واليسار. لم تكن هناك حتى وقت قريب أداة مصممة خصيصًا لمحاكاة الظروف الإدراكية التي قد يواجهها الشخص أثناء إجراء طبي. ومن هنا جاءت أهمية الدراسة الجديدة التي سعت إلى تطوير اختبار أكثر ارتباطًا بالواقع السريري.
اختبار يحاكي ظروف غرفة العمليات
ركزت دراسة حديثة نشرت في مجلة Frontiers in Cognition على تطوير اختبار جديد لقياس قدرة الأشخاص على التمييز بين الجانبين الأيمن والأيسر في ظروف تشبه تلك التي يمكن أن تحدث أثناء الجراحة.
وأطلق الباحثون على الاختبار اسم NEST، وهو اختصار لـ”اختبار الأحداث التي لا يمكن أن تحدث في الجراحة“. وشملت الدراسة 108 متطوعين. طلب منهم تحديد أجزاء معينة من جسم دمية تدريبية بالحجم البشري، مع فرض ضغط زمني عليهم.

ولجعل المهمة أقرب إلى المواقف الواقعية، غيّر الباحثون وضعية الدمية وموقع المشاركين بالنسبة إليها. فقد وضعت الدمية على ظهرها أو بطنها أو على أحد جانبيها. كما طلب من المشاركين الوقوف عند الرأس أو القدمين أو على الجانب الأيمن أو الأيسر.
وكان اختلاف الموقع والوضعية يؤثر مباشرة في صعوبة تحديد الجهة الصحيحة. فعندما تكون الدمية مستلقية على ظهرها ويقف الشخص بالقرب من الرأس، يكون جانبه الأيسر مقابل الجانب الأيسر للدمية، ما يجعل المهمة أسهل. أما عند الوقوف بالقرب من القدمين، فقد يصبح الجانب الأيسر للشخص مقابل الجانب الأيمن للدمية، الأمر الذي يتطلب معالجة ذهنية أكثر تعقيدًا.
مقارنة الاختبار الجديد باختبارات نفسية معروفة
لم يكتفِ الباحثون باختبار NEST، بل أخضعوا المشاركين أيضًا لثلاثة اختبارات نفسية معتمدة لقياس القدرة على التمييز بين اليمين واليسار.
شمل الاختبار الأول استبيان اليمين واليسار، الذي يعتمد على تقييم المشاركين لمدى تكرار مواجهتهم صعوبة في تحديد الجانبين خلال حياتهم اليومية. أما الاختبار الثاني، وهو مهمة بيرغن للتمييز بين اليمين واليسار، فاعتمد على صور لأشخاص، وطُلب من المشاركين تحديد اليد اليمنى واليد اليسرى.

وفي الاختبار الثالث، المعروف باسم مهمة أوامر اليمين واليسار، استمع المشاركون إلى تعليمات شفهية. ونفذوها باستخدام أجزاء مختلفة من أجسامهم، مثل لمس الركبة اليسرى بالمرفق الأيمن.
معظم المشاركين نجحوا.. لكن فئة صغيرة واجهت صعوبة واضحة
أظهرت النتائج أن معظم المشاركين كانوا قادرين على التمييز بين اليمين واليسار بدرجة جيدة. ومع ذلك، كشفت الدراسة عن وجود مجموعة صغيرة، تراوحت نسبتها تقريبًا بين 5% و10%، ارتكبت أخطاء متكررة في اختبار NEST، إذ سجل أفرادها أربعة أخطاء أو أكثر.
كما تبين أن أداء المشاركين كان أفضل عندما كانت الدمية مستلقية على بطنها مقارنة ببعض الوضعيات الأخرى. ما يشير إلى أن وضعية الجسم وموقع الشخص بالنسبة إليه يمكن أن يؤثرا في القدرة على تحديد الجهة الصحيحة.
ومن النتائج المهمة أيضًا أن أداء المشاركين في اختبارات اليمين واليسار التقليدية لم يكن قادرًا على التنبؤ بشكل واضح بعدد الأخطاء التي ارتكبوها في اختبار NEST.
ويشير ذلك إلى أن الاختبارات النفسية الموجودة حاليًا قد لا تكون كافية لقياس القدرة على التمييز بين اليمين واليسار في المواقف التي تتطلب تفاعلًا مكانيًا معقدًا، مثل بعض الظروف الطبية.

اختبار قد يفتح الباب أمام فهم أفضل للأخطاء الجراحية
تسلط نتائج الدراسة الضوء على أن القدرة على التمييز بين اليمين واليسار ليست مهارة بسيطة بالدرجة التي قد تبدو عليها، إذ يمكن أن تتأثر بالوضعية وموقع الشخص ووجهة نظره والضغط الذي تفرضه المهمة.
وقد يساعد اختبار NEST في إجراء مزيد من الأبحاث حول الأسباب التي تجعل بعض الأشخاص أكثر عرضة للخلط بين الجانبين. خصوصًا في السياقات التي تتطلب دقة مكانية كبيرة.
ولا يعني ذلك أن كل شخص يخلط بين اليمين واليسار في حياته اليومية معرض لارتكاب خطأ طبي. لكن الدراسة تشير إلى أهمية فهم هذه القدرة بصورة أكثر دقة، خاصة عندما تكون الأخطاء المحتملة مرتبطة بسلامة المرضى.
يظل منع الأخطاء الجراحية قائمًا على مجموعة من إجراءات السلامة والتحقق المتعدد قبل وأثناء العملية. إلا أن فهم العوامل النفسية والإدراكية التي قد تسهم في الخلط بين اليمين واليسار يمكن أن يضيف جانبًا مهمًا إلى جهود تحسين سلامة المرضى.
















