نشأت بين طالب العلم ومعلمه منذ القدم وما تزال علاقة تبادلية قوية، يحظى من خلالها المعلم بالتبجيل والاحترام والتقدير. والطالب بالاهتمام والرعاية والتشجيع. وعليها تكونت الثنائية المتقابلة الثقة في المعلم والرضا لدى المتعلم، فصاحب العلم الوافر يستحضر عبودية المحتاج إلى علمه.
وكما يقال: “من علمني حرفًا صرت له عبدًا” ومنها تشكلت القدوة الحسنة والمثل الأعلى في شخص ذلك العاشق لرسالته. يؤديها في صبر وحزم ورحمة غير مبالٍ بالظروف إن كانت معيشية صعبة أو كانت بيئية غير مواتية. لأنه نذر نفسه للمساهمة في القضاء على الجهل والفقر والمرض. والمشاركة في جهود تنمية المجتمع نحو التقدم والازدهار، فكان بحق نبراسًا يهدي للتي هي أصوب، وشمعة مضيئة تحترق من أجل أن تنير الطريق للآخرين. وصدق أمير الشعراء أحد شوقي حين قال:
قـم للمعلم ووفــه التبجيــلا كاد المعلم أن يكون رســـولا
رسول علم، يضحي بجهده ووقته من أجل غرس الأخلاق والفضيلة والقيم العليا في نفوس طلابه. يزودهم بمعرفة أشمل وفهم أعمق وإدراك أوسع. لذلك لم تخطئ دول العالم و الشعوب المتقدمة في توخي أقصى درجات الحذر في اختيار أفضل العناصر لممارسة العملية التربوية والتعليمية.
ثم الحرص على متابعة تأهيلهم باستمرار من خلال تنظيم الدورات التربوية السنوية في إطار سياسة الارتقاء المتواصل بالمستوى العام للمعلمين. باعتبارهم حجر الزاوية في بناء المجتمعات وعليهم يتوقف رقي الأمم وتطورها الحضاري.
تحسين منهجية التعليم
بين المعلم والمتعلم يكمن المنهج وهو المبرر من علاقتهما التربوية القائمة. ويمثل أساس وجود عملية تعليمية أصلًا وبدونه لا شيء يربطهما دراسيًا على الأقل. وعلى قدر نضوج مفاهيمه وتطور مضمونه تكتمل الفائدة وتتحقق أهداف الرسالة التربوية النبيلة التي لا تتوقف أبدًا. ولعل ما يضفي المتعة إلى التعلم مراعاة ما يلي:
تعزيز التعليم المنهجي للطلبة لتحسين منهجية التفكير لديهم التي تعني الارتقاء بمنهجيتهم في الحديث التصرف والتعامل مع الناس. ومنه سيسهل كثيرا فيما بعد التحاور معهم بموضوعية وعلم ومنطق. ومن شأن كل هذا أن يؤدي إلى التطور في الفكر.
مساعدتهم على الاستنباط الذكي من مختلف البحوث المدرسية التي يقومون بها لتشجيع التطلع إلى إدراك ما وراء ظاهر الأشياء. ومن ثمة تنمية الشغف باكتشاف وفهم طبيعتها. وحينها بدل أن يكون المعلم مسؤولًا أمام طلبته، يصبح الطلبة هم المسؤولين أمام معلمهم عن بحوثهم. ويكون من نتائج ذلك التنامي في البحث.
تدريبهم على مهارات التواصل وتنمية قدراتهم في مجال الاتصال، وتوفير جو الاحتكاك العلمي بينهم في عالم من الأفكار عن طريق المناظرات مثلًا. لتنمية الميل الايجابي لتبادل الآراء واحترام حرية الرأي وحسن الإنصات وتقديس الحق والحقيقة مهما كانت.
تقريب المسافات بين الطالب والمعلم
يعد وجود الانسجام بين الطالب والمعلم أمر في غاية الأهمية؛ لأنه يضفي المزيد من اللطف والمسرة على الوقت الذي يمضيه الطالب في الصف. ومن المفيد جدًا وجود علاقة مودة وتفاهم بينهما بصورة عامة. لأن ذلك يسهم في اكتساب مهارة أساسية وهي كيفية بناء علاقة مع شخصيات مختلفة في المجتمع.
والطلاب الذين انسجموا مع مدرسيهم لا يتعلمون أكثر فحسب ولكنهم يشعرون بارتياح كبير عند تعرضهم لأي أسئلة. ويستطيعون بدون تردد أو خجل طلب المساعدة على فهم ما بدا غامضًا عليهم، لذلك تراهم يبذلون أقصى ما يستطيعون بذله في الاختبارات، كما يمكنهم العودة إلى معلميهم طلبًا للنصح أو التوجيه والإرشاد تجاه أي مشكلات دراسية أو قضايا مدرسية أخرى بدون أي حرج.
ولعل من سبل تحقيق ذلك مراعاة جانب الهوية في الخطاب المدرسي، كأن يتحدث المعلم بصيغة الجمع لتأكيد أنه منهم وهم منه، أي لترسيخ وحدة الانتماء فذلك يزيل مشاعر الغربة بينهما، وسيساعد بالتالي كثيرًا في ضمان وحدة المنطلق الناشئة من وحدة الأصل والهوية.
ويمكن أن يستعين في الشرح ببعض العادات والتقاليد المحلية لتقريب الفهم، أو يضرب الأمثلة المستوحاة من الثقافة الشعبية لتوضيح المعنى، وفي ذلك يمكن أن يطلب منهم أن يأتوا له بشيء مماثل، ومن شأن كل ذلك تقريب المسافات وتقوية الوجدان بين المعلم والطالب في إطار الاحترام المتبادل.
حساسية الطلاب في رحلة التعلم
إن سنوات الدراسة فترة رائعة في حياة كل شخص، يكون فيها الطالب مثل قطعة من الإسفنج يمكنه امتصاص الكثير من المعلومات الجديدة والتفكير مليًا فيها بمختلف السبل التربوية والطرق التعليمية، والمعلم بشر يشعر بسعادة غامرة إذا كان الطالب مقبلًا بحماس على التعلم ويصغي إليه باهتمام، ومتفتح على ما يدرس، والحقيقة أن الأطفال يمكنهم أن يتعلموا في أية ظروف سواء أحبوا المعلم أو لم يحبوه.
لكن معظمهم حساسون إزاء الكيفية التي ينسجمون بها مع المعلم، فوجود الانسجام يعني بداهة وجود وسيلة وكيفية معينة حققت التواصل المفيد بينهما وهي تلك التي تقوم على الفرضية الأكيدة بأن المعلم يعمل من أجل مصلحة الطالب، وأنه عليه أن يبدي شيئًا من الصرامة، وأن ارتكاب الأخطاء وارد أثناء التعلم، ومجرد مساعدة المعلم للطالب بتوجيهاته السديدة لتصويبها إنما يؤدي مهمته وواجبه المهني، وفي المقابل عندما يبدي الطالب احترامه لمعلمه وحرصه على الإنصات الجيد لما يقول فانه على الأرجح سيلاحظ المعلم ذلك وسيقدره وسيساعده على العطاء أكثر.
وحدة هوية الخطاب المدرسي
يحدث في كثير من الأحيان أن يكون هناك تنافر أو تضارب في طبيعة الشخصية بين الطلاب والمعلمين وهو ما يمكن أن يحدث بين أي شخصين في الحياة، وفي الواقع أن في معظم دول العالم تعرف كل دولة حدًا معينًا من التباين في سمات الشخصية الوطنية بين مواطنيها بشمال البلاد عن مناطقها الجنوبية، وبين شرقها وغربها خاصة بالمناطق الحدودية التي تتلاقح فيها الثقافات والعادات مع دول الجوار.
ويبدو أثر هذا التباين في حالة المعلمين المعينين بمناطق بعيدة لم تطأها أقدامهم من قبل، إذ ترى بعضهم قادمين من عاصمة البلاد أو من إحدى مدنها الكبرى للتدريس بمناطق ريفية أو صحراوية نائية هنا تكون فرضية وحدة هوية الخطاب المدرسي أكثر ضرورة وأشد إلحاحا لإزالة الفارق والتغلب على الاغتراب في طبيعة الشخصية وفي العادات وأيضًا في اللهجة المحلية من أجل التقرب أكثر من الطلاب، وتحقيق الانسجام المطلوب بينهم.





















