جسد اسم الدكتور عبدالله بن محمد الفوزان ملحمة إنسانية في الصبر والكفاح. هي قصة “بروفيسور” بدأ حياته من تحت الصفر، وفي قلبه طموح لم تكسره قسوة الظروف ولا ضيق ذات اليد، ليتحول من سائق وعامل بسيط إلى واحد من أبرز علماء الاجتماع وعضوًا في مجلس الشورى السعودي.
نشأة في حضن “الروضة” وقسوة الحياة
بدأت الحكاية في قرية “الروضة” بمدينة حائل عام 1383هـ، حيث ولد الدكتور عبدالله في بيئة ريفية تقشفية تخلو من مظاهر الرفاهية. في بيت بني من الطين، نشأ الفوزان لأسرة مكافحة؛ فوالده كان يعمل “حمالًا” ينقل أكياس الأرز من الشاحنات الضخمة، بينما كانت والدته تمثل النموذج الأسمى للأم السعودية الأصيلة التي غرست في أبنائها قيم التربية الصالحة.

لم يكن عبدالله الشاب يملك من الدنيا سوى عزيمته؛ فعمل سائقًا لدى إحدى الأسر ليوفر قوت يومه، كما شارك والده في أعمال البناء الشاقة تحت لهيب الشمس مقابل أجر زهيد، في رحلة كانت كفيلة بأن تصقل شخصيته وتجعله يدرك قيمة “اللقمة الحلال”.
زواج في الثانوية وبداية الاغتراب
في تحول لافت لمسار حياته، وبمشورة من والده، تزوج عبدالله وهو لا يزال طالبًا في الصف الثاني الثانوي. ضحى الأب ببيتهم القديم وباعه ليتكفل بمصاريف الزواج، ومن هنا بدأت رحلة الاغتراب نحو العاصمة الرياض. هناك، سكن في البداية مع عمه، قبل أن يستفيد من مكافأة الجامعة المخصصة للمتزوجين (12 ألف ريال آنذاك)، ليستأجر بيتًا طينيًا صغيرًا يبدأ فيه حياته الأسرية والدراسية معتمدًا على مكافأة ألف ريال شهريًا.
المسيرة الأكاديمية: حلم البروفيسور
رغم التحديات المادية، لم يحد الفوزان عن هدفه التعليمي. تنقل بين أروقة جامعة الملك سعود، باحثًا عن شغفه حتى استقر في قسم الدراسات الاجتماعية. وبفضل تفوقه، عين معيدًا بالجامعة عام 1406هـ، لتكون هذه الخطوة هي الشرارة التي أطلقت مسيرته الأكاديمية نحو العالمية. تخصص في نظريات علم الاجتماع والأسرة والطفولة، وحصل على الدكتوراه ليصبح أستاذًا مساعدًا عام 1412هـ، وصولًا إلى درجة البروفيسور.

مفارقة تاريخ الميلاد والوصول للقمة
من المفارقات اللطيفة التي رواها الدكتور الفوزان، أنه لم يكن يعرف تاريخ ميلاده بدقة في صغره. حتى اكتشف لاحقًا أنه ولد في نفس اليوم الذي ولد فيه جلالة الملك عبدالله الثاني، ملك الأردن، وهو ما جعل لليوم رمزية خاصة لديه.
اليوم، يقف الدكتور عبدالله الفوزان تحت قبة مجلس الشورى السعودي، متسلحًا بخبرة اجتماعية عميقة اكتسبها من واقع “البيوت الطينية” ومن كتب الفلسفة والاجتماع. إن قصة الفوزان ليست مجرد سيرة ذاتية لرجل ناجح. بل هي رسالة لكل شاب بأن “نقطة الصفر” ليست عائقًا، بل هي المنصة الحقيقية التي يقذف منها الطموح نحو عنان السماء.
تظل قصة الدكتور عبدالله الفوزان تذكيرًا حيًا بأن الكفاح هو الجسر الوحيد للعبور من ضيق الحاجة إلى سعة التأثير. وأن الإنسان بإيمانه وعمله قادر على صياغة قدره وتغيير واقعه مهما كانت البدايات متواضعة.


















