كيف أصبح «الجينز» موضة مستمرة لا تنتهي؟

تعود البداية إلى رجل واحد هو ليفي شتراوس ،المكتشف الأول لسروال الجينز المصنوع من قماش كان مورد بضاعة آتية من إيطاليا، دخل اسم ليفي عالم الخلود بفضل هذا النوع من القماش، وبعقله التجاري الواعي المبتكر الذي كان وراء هذا التحوّل.

أتى ليفي شتراوس من “بافاريا “في ألمانيا حيث ولد عام 1829. وحين بلغ الرابعة عشر هاجرت عائلته إلى الولايات المتحدة بحثًا عن وضع معيشي أفضل.

“ليفي شتراوس” 1873م

أقامت أسرة شتراوس بمدينة لويزفيل في ولاية كنتاكي ثم نزحت إلى نيويورك

أين عمل ليفي في تجارة القماش

أخذ معه بعض من قماش الصوف والقطن الذي استوردته عائلته من ألمانيا وإيطاليا في رحلته إلى سان فرانسيسكو. وباع معظم ما كان لديه منه وهو على ظهر السفينة، وما بقي لديه كان لفائف قماش سميك أزرق اللون مصنوع  في الأصل لصنع الخيام وكان مستوردا من مدينة جنوى جينز في اللفظ الانجليزي آنذاك.

تجول مع الباحثين عن الذهب  بحثا عن من يشتري منه القماش وصل إلى مدينة سكرامنتو حيث التقى بعمال المناجم وعرض عليهم القماش. رفضوا لأن ما يهمهم هو الحصول على قماش متين لصنع سراويل قوية لا تهترئ في أيام قليلة من العمل والزحف في التراب وبين الصخور ، سراويل يمكن لنسائهم أن يغسلنها دون أن تتمزق فورًا، ولا تكلف مالًا كثيرًا حينها لمعت الفكرة في رأس ليفي، هذا القماش الآتي من جنوى سيتحول إلى سراويل. جمع الطلبات من مدن الغرب الأمريكي  حتى عجزت جنوى عن تلبية جميع الطلبات وكذلك مدينة نيم الفرنسية.

تراكمت ثروة ليفي بفضل متانة القماش والخياطة المزدوجة للحوافي والجيوب التي أشار بها إليه فضول باحث عن الذهب يدعى الكالي آيك.

دلالة الجينز الرمزية والاجتماعية

لم يعد الجينز الأزرق مجرد السروال البسيط  الخاص بالطبقة العاملة والزي المفضل للأفراد العاملين في مواقع الشغل والأعمال الميدانية الشاقة. نظرًا لمتانة قماشه ودفء نسيجه في الأجواء الباردة، بل كان الزي المناسب للأفراد ولبيئة العمل. حيث أنه يغسل أقل من غيره من الملابس. وسرعان ما شاع استعماله في العقود الأخيرة في أوساط الشباب فتيان وفتيات من مختلف الأوساط الاجتماعية. وشباب الجامعات والكثير من الموظفين بالإدارات الحكومية.

فقد انطلق سروال الجينز في كل أنحاء العالم من بيوت العمال والفقراء وفرض نفسه على دواليب الأثرياء وسيدات المجتمع. وارتقى إلى مرتبة ذات بعد ثقافي واجتماعي فقد لا يكاد يكون إنسانا في العالم مهما علا شأنه أو تواضع. فقيرًا كان أم ثريًا ، إلاّ ويمتلك جينز واحد على الأقل.

تراه نفسه ملائمًا للعمل على زراعة الحديقة أو لإصلاح السيارة ، وأيضًا للذهاب إلى الأسواق أو لحضور مباراة رياضية أو لقاء الأصدقاء في المقهى. والمفارقة أن هذا اللباس قد يكون القديم منه مرغوبًا أكثر من جديده بل ويتمسك به صاحبه كلما ازداد قدمًا. إنه اللباس الظاهرة الذي يمكن لبسه صباحًا ومساءًا في الحر والبرد حتى صار اللباس الأكثر شيوعًا والأوسع انتشارًا ورواجًا كاسحًا بلا منازع .

دخوله لمتحف سميثسونيان

في عام 1873 وبعد عشرين عامًا من بداية الجينز حصل ليفي شتراوس على براءة الاختراع باسمه. وكان من شروط البراءة أن يواصل الرجل بيع السروال بدولار واحد. تحولت رحلة الجينز الناجحة من ذخر الباحثين عن الذهب إلى رعاة البقر. ثم إلى رداء رسمي لجنود الشمال مثلما تدل عليه السراويل المعروضة في جناح خاص في متحف “سميثسونيان ” في واشنطن. وهكذا سرعان ما دخل الجينز من باب الأسطورة والتاريخ حتى ارتبط بالحلم الأمريكي.

رحيل ليفي وخلود الجينز

عاش ليفي حتى بداية القرن العشرين وتوفي عام 1902 ثريًا في سان فرانسيسكو قبل أن يخطر في باله أن سرواله سيصبح جزء من ثقافة. وأنه سيحدث تبدلًا أساسيًِا في الذهنية العامة، والقرن العشرون كما كان حافلًا بالأساطير الثقافية العديدة والمتشعبة جعل الجينز واحدة من الأساطير.

خاصة بعد انفتاح أمريكا على العالم ووصول الجينز خلال سنوات الأربعينات إلى إيطاليا مع الجنود الأمريكيين ثم إلى أوروبا بعد أن كان سمة أساسية من سمات الفقر. ومع بروز الميل إلى التبسيط في كل ما ينتجه الإنسان، وحتى مع فلسفة الصناعة نفسها.

ظهر التجريد في الفن التشكيلي ، وفي العمارة ظهرت المباني الخالية من أية زخارف. وهو ما انطبق أيضًا على صناعة المفروشات والأدوات المنزلية وكل مستلزمات الحياة. وتعزز هذا الميل بعد الحربين العالميتين اللتين خلفتا الملايين من الفقراء المضطرين إلى العمل في كل الظروف وإلى الاقتصاد في المصاريف. حينها انتشر الجينز في الأسواق، وكان العالم مستعدًا تمامًا لاستقباله .

مع تعدد حركات الشباب في الميادين الثقافية والتطوعية والرياضية والكشفية .. انتشر ارتداء الجينز كعلامة من علامات تزين الطليعة الثقافية. التي رأت فيه تخلصًا منطقيُا من ضغط السراويل المنمقة التي تحتاج إلى عناية دائمة ،وهكذا سيطر الجينز على الأفق الاجتماعي.

تعددت أوجه استخدام قماش الجينز المتين فجرى ابتكار أشكال من الحقائب النسائية متعددة الأغراض واستعمال قطع من بقايا السراويل المتهالكة في بعض أعمال الديكور المنزلي. وإدخال بعض الأجزاء العلوية منه في صناعة الأحذية الصيفية الخفيفة. وإضافة صنع السترات المناسبة للجولات الغابية ورحلات الصيد البري والبحري في خطوط الانتاج من ذات القماش.

لغز الجيب الصغير

فوق الجيب الأيمن من كل سروال جينز يوجد جيب صغير غير مستخدم لأي شيء وبالبحث عن أصله تبيّن أنه كان في ثمانينات القرن التاسع عشر أكبر بقليل عن ما هو عليه اليوم ، وان ليفي شتراوس أضافه إلى التصميم لأن رعاة البقر كانوا يربطون الساعات التي يحملونها بسلاسل إلى سراويلهم ويخبؤون الساعة تحت الحزام،فكان هذا الجيب الصغير لوضع الساعة فيه أولا ثم صار يستعمل لوضع شذرات الذهب الصغيرة وكذا لحمل النقود الذهبية وفصلها عن القطع الفضية الكبيرة، كما ابتكر ليفي شتراوس الجيبين الأماميين لحمل أشياء قد تكون مهددة بالسقوط من الجيب الجانبي عند ركوب الخيل، أما الجيبان الخلفيان فواحد منهما كان للمنديل ، والآخر للاستعمال الحُر .

أقمشة ممزقة على الموضة

من عناصر التجديد التي أضيفت إلى سراويل الجينز في السنوات الأخيرة تجديد ما ليكن يخطر على بال ليفي شتراوس. حين كان يضاعف إنتاج السراويل المصنوعة من ذلك القماش الأزرق المتين حيث بدأت تظهر موضة السروال الممزق بالعرض عند الفخذين وعند الركبة. والمفارقة أنه أصبح يباع بأغلى من السروال غير الممزق على أساس أن التمزيق يتطلب وقتا عند الخياطين. ولكن مع ذلك يبقى ارتداؤه في المناسبات العائلية واللقاءات الشخصية الهامة نوع من اللامبالاة ويشكل إهانة.

إن حسن المظهر وأناقة الهندام وفق المقاييس التقليدية لا يزال قيمة تفرض نفسها على مناسبات عديدة حيث لا مكان فيها للجينز. وفي ذلك رسم للحدود ما بين المجالات التي يمكن تقبل البساطة، إما تعبيرُِا عن قلة الاحترام، وإما مجرد ادعاء بساطة.

الرابط المختصر :