غالبًا ما تتأسس مشكلة الهجر في مرحلة الطفولة، حين يتوق الطفل إلى حب والديه، ويدرك على مستوى اللاوعي أنه ليس بمقدوره العيش في عالم قاسٍ بدون أم وأب. وعندما يترك وحيدًا ينتابه الذعر، الخوف والرعب في حين أن الوالدين غارقان في مشاكلهما الخاصة وبالتالي لا تحظى مشاعر الطفل بالاهتمام الكافي خاصةً إذا كان من الصنف الهادئ والكتوم ولا يتسبب في المشاكل لإثارة الانتباه.
أثر التخلي في الطفولة على نمط العلاقات في البلوغ
يمكن أن تنشأ مشاعر الهجران أيضًا بسبب ولادة إخوة أو أخوات أصغر سنًا ليترك الطفل هائمًا بين جدران الحرمان العاطفي. إذ يترك في أغلب الأوقات وحيدًا مع تجربته المريرة دون توفر أي حماية أو أمان يخرجه من انغماسه في الوحدة.
ومع تكرار الاحساس بالتخلي تتشكل صدمة الطفولة، وتؤثر لاحقًا في مرحلة بلوغه على مدى تقبله للوحدة. ويصبح في حاجة إلى العلاقات الإنسانية الدافئة والرعاية فيفقد تدريجيًا علاقته بذاته، شخصيته وهويته.
يؤدي طلاق الوالدين أو وفاة أحدهما إلى زعزعة الاستقرار النفسي للطفل، فيتكرر لديه الخوف من فكرة التخلي عنه. وتمتد هذه التجربة إلى مرحلة البلوغ .فمثلًا قد يتحول سفر الزوج لبضعة أيام للعمل. بالنسبة لشخص يعاني صدمة الهجر يتحول إلى ليالٍ طويلة من الأرق، الغربة، القلق والاضطراب.
كما يجد كذلك بعض الأشخاص المتقاعدين صعوبةً بالغةً في إنهاء حياتهم المهنية، إذ ينظرون إلى التقاعد وكأنه نهاية للحياة ذاتها. وكذا الانتقال إلى مرحلة البلوغ على أنه النهاية المنطقية لمسار الحياة.
يتشكل نمط العلاقات غير الصحية نتيجة مشاعر انعدام القيمة والخوف المستمر من فقدان شريك الحياة. فالشخص الذي عانى من قبل من الهجر يتكيف بسهولة مع شريك بارد عاطفيًا. إذ يتسم بالصبر المفرط ولا يحسن تقدير صفاته الشخصية أو يطالب بحقوقه العاطفية.
غالبًا ما تكون متلازمة الهجر مصحوبة بالفظاظة أو السلوك العدواني، إذ لا يتمكن هؤلاء الأشخاص دائمًا من التحكم في تصرفاته. وهم في عرضة دائمة لجلد الذات والنقد الذاتي. وتلاحظ عليهم إشارات الكآبة والتناقض والحساسية وتضارب الأفكار وبالتالي يفتقرون قدرة التعبير السليم لما يخالجهم.
إستراتيجيات تجاوز متلازمة الهجر
يتطلب تجاوز هذه الحالة العمل على ذكريات الطفولة، إذ غالبًا ما يستمر الإنسان في العيش داخل إطار نفسي تشكل في مرحلة مبكرة من حياته. فإذا كانت امرأة بالغة على سبيل المثال، تخشى أن يرفضها الشريك الذي اختارته. من المهم أن تعود إلى مواقف مشابهة عاشتها في طفولتها يتذكر المواقف المماثلة التي حدثت في الطفولة. وعلى الأرجح، لم يشرح للطفل الصغير آنذاك أن الانفصال لا يعني نهاية الحياة.
من فطرة الشخص بالغ أن يكون قادرًا بطريقة أو بأخرى أن يهدئ نفسه والتكيف مع مختلف أشكال الوحدة. ومن الضروري التعمق في الذات لاكتشاف كيفية الاستجابة للتوتر والانفصال فقد يكون من اللازم تغيير آلية الدفاع النفسي المعتمدة.
كما يجدر تذكر متى ظهر شعور بالهجر لأول مرة. تحليل الأفكار والمحفزات التي رافقته في تلك اللحظة والتعبير عن ذلك بوسائل إبداعية كتأليف أبيات شعرية أو نثر المشاعر، أو تصوير الأفكار على قطعة من ورق.
فقط الاقتناع بتفرد الفرد هو العامل الأساس في التخلص من متلازمة الهجر وإدراك قيمة العلاقات الإنسانية يعد من بالغ الأهمية. ويتطلب قطع حلقة السيناريو المعتاد. ووضع أهداف وشروط واقعية للتفاعل مع المحيط القريب إلى جانب تعلم تلبية الاحتياجات الذاتية دون الاتكال على الغير.
ويساعد العمل اليومي على تنمية العالم الداخلي، بناء مناعة نفسية صحية ضد الذوبان في البيئة الخارجية، الحفاظ على الذات والهوية، وتمكين الفرد من التوازن ككيان مستقل وشخص متكامل.
من المهم جدًا الاستمرار في تنمية مهارات الاتصال وتوسيع الآفاق الفكرية والاجتماعية. من خلال زيارة أماكن عامة متنوعة والتعرف على أشخاص جدد. ويستحسن بناء نماذج سلوكية سليمة مرغوبة لاعتمادها.
وكذا ضرورة التصرف الطبيعي الفطري دون خجل وتعويد النفس على التمسك بالموقف دون فرضه على الغير. وتفادي الحقائق والشائعات والصور النمطية التي لم يتم التحقق منها. كذلك، لا ينبغي انتظار أن تحل المشكلات من تلقاء نفسها والأجدر البحث عن أشخاص متقاربين في الفكر، ومحاولة التعامل مع المشكلة في إطار جماعي داعم.






















