أسرة ومجتمع

صبحة بغورة تكتب: رمضان ومتعة الصبر على العبادة

ليس أشق على نفس الإنسان من أن يكون جوعه وعطشه ـ حتى ولو لأيام معدودات ـ وحرمانه امتثالًا للأمر الإلهي من متع الدنيا وامتناعه عن التمتع بملذات الحياة التي أحلها له الله تعالى تكون هي كلها وفي حد ذاتها عبادة مفروضة وركن ركين لصحة الإسلام وتثبيت العقيدة.

لكل عبادة مشاقها، وصبر الإنسان في مداومته على أدائها يعني أن الايمان الذي وقر قلبه وأقر به لسانه صار يعمل به بأحاسيسه، فيؤكد بذلك على صدق ابتغاء مرضاة الله، ويثبت بالعمل الصالح يقينه في نيل ثواب عبادته عفو ومغفرة وحصوله على أجر القيام بها.

ولكل عبادة أجرها مغفرة من الذنوب أو بركة في الأموال جراء زكاة وصدقة ترفعها الملائكة للعلي القدير مستبشرة ومستغفرة لمؤديها، ويسارع كل حسيب رقيب إلى تثبيتها في كتابه حسنات يلاقي بها العبد ربه يوم الموقف العظيم.

تستطيع الملائكة بأمر الله حساب الحسنات، الحسنة بعشرة أمثالها واحتساب جزاء الصلاة فرادى وصلاة الجماعة وصلاة الجنازة والعيدين، وما خفي من الصدقات وكل أعمال الخير قولًا وفعلًا وعملًا والحج المبرور، وكافة النوافل التي تقرب العبد من ربه من ذكر وتسبيح وتكبير وصلاة على نبينا الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم ، وقراءة القرآن الكريم.. كل في كتاب لا يغادر كبيرة ولا صغيرة إلا أحصاها.

وفي شهر رمضان، الذي كتب الله تعالى فيه على المسلمين صومه؛ وحيث تجتمع كل بقية الفرائض وأعمال الخير مع مشقة الصوم يكون الأجر أعظم، وإذا كان يمكن الحكم على الصائم من خلال رؤية الأفعال إلا أن جزاء الصوم كعبادة يصعب على الملائكة تحديده، فقد اختص الله تعالى لنفسه فقط مهمة تحديده وهو وحده يجزي به؛ لأنه العليم الخبير أعلم بالنفوس، وهذا في حد ذاته بشرى للمؤمنين الصادقين، ذلك لأن الصيام بالإضافة إلى أنه تزكية للنفس وتطهير للروح هو عبادة يقدم فيها العبد من صلبه وجسده لحما ودما لخالقه دون سواه وفي ذلك عناء كبير يعلمه الله وحده.

يقول المولى عز وجل “كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فهو لي وأنا أجزي به”، وفي الحديث أن “شهر رمضان أوله رحمة ووسطه مغفرة وآخره عتق من النار”؛ وإذ حدد الحديث نوع جزاء الصوم المقبول على مدى الشهر إلا أنه لم يحدد بدقة وعلى سبيل الإطلاق حساب المولى عز وجل، ليبق بذلك أثر الآية الكريمة يفعل فعله في نفوس المؤمنين الطامعين في المزيد من نعمه الجزيلة والتواقين بعيون الأمل والرجاء إلى فضله العظيم عليهم.

أيام معدودات من الصوم في شهر رمضان كافية لتبرز عمق المعاناة المشتركة بين الصائمين وقوة ترابط حلقات الزمن بين أصالة وثوابت الماضي العريق ومعطيات الحاضر ومتغيرات العصر الحديث على مدى المراحل التي قطعتها الدعوة بين انتصارات وانتكاسات، وبين فترات التألق والتقلص، إنه الفعل الديني الدال على العلاقة الجدلية بين عقيدة الفرد والحركة الاجتماعية.

فالترابط الاجتماعي الوثيق كمظهر إنساني نبيل خلال أيام شهر رمضان الكريم أكثر ما يتجدد في أبهى صوره الإنسانية، ويتجسد في أروع معانيه داخل الإطار الأسري والمحيط العائلي والاجتماعي؛ حيث يشع تسامحًا ورحمة ويضفي أجواء من الراحة والسكينة والطمأنينة في النفوس، ويرتفع في ظله الوعي الثقافي الديني بمغزاه وأهميته؛ فيترسخ أثره في النفوس بشكل أعمق، ويتسع مجال مظاهر التضامن والتكافل أكثر، وتمتد فضائله لوقت أطول.

لذلك، سيبقى دوما لشهر رمضان هيبته الخاصة، شهر تعرف فيه المهام بوضوح، ينتشي فيه الصائم بتقربه من الخالق عز وجل وبالإخلاص له في عبادته، فهو فرصة لتوظيف قوة الروح وطاقتها في تغذية النفس بمشاعر الخشية من الله في السر والعلانية، بمجاهدة غواية النفس ومقاومة الأنانية وكبح الشهوات والتحرر من الضغائن، والتجاوز الكريم عن الخصومات، والتسامح النبيل عن العداوات فترضى النفوس وتهدأ وتنصرف متضرعة إلى خالقها الأوحد، وكلها تمثل سبل التلذذ بجميل الصبر على مشاقه.

وعندما نتذكر بركات أيام الشهر الفضيل، ونتذوق حلاوة تسامي الروح في ليالي التراويح والتهجد؛ حتى تتدفق ذكريات أيامه الطيبة دافئة من مخيلتنا لترتسم صورًا جميلة، فنتوق إليها وندعو أن يبلغنا الله تعالى إياه كل عام، وتلك هي الجاذبية الدينية للصوم بكل ما يحمله من دلالات تاريخية وحضارية قوية في ماضي الأمة وحاضرها.

الاستغراق في العبادة دليل الصدق والإخلاص، ولا يكتمل الصيام الصحيح إلا إذا صدقت النوايا، وتجاوب العبد الصائم مع حقيقة نيته يكسبه خلق الالتزام، والالتزام الحميد في حياة كل فرد هو مظهر الجدية في التعامل مع أمور الحياة التي تغنيه عن الخضوع يوما لقهر الإلزام، ومن هنا تنهل أخلاق المؤمن من صومه الصحيح قوة الإرادة التي توجه سلوك الفرد السوي في الحياة وتحدد تصرفاته؛ إذ بإرادته يختار سبيله ومصيره.

فإذا كان الإنسان مسيرًا بمشيئة الله سبحانه، فهو في الحقيقة مسير فيما لا يعلم ولا يملك تجاهه إرادة كيوم ميلاده وساعة وفاته، فهو أيضا مخير ولكن فيما يعلم ويملك بإرادته أن يحدد خياره، والصوم الصحيح يوجه الإرادة دائما نحو الخير بمعنى أن الإرادات الخيرة تتشكل في دخيلة قلب كل مؤمن، وتتعزز في النفوس الطيبة بالصيام المقبول خاصة في رمضان
إذن، الصوم حاجز مانع من السقوط في البلادة القميئة والخضوع المقيت لأهواء النفس الأمارة بالسوء، ومن الدخول في نفق التيه الديني الذي يؤدي إلى تناسل الأخطاء وتراكم الذنوب.

أيضًا، الصوم هو سد أمام الانزلاق إلى دائرة الجدال العقيم حول الممكن الذي أصبح فنا يبرر النفاق كما يبرر الإيمان، وهو ميثاق أخلاق لتهذيب السلوك وضبط النفس، بل هو المنبع الخالد للقوة الكامنة في نفوسنا التي تحميها من التلوث الفكري والروحي، إنه مكسب روحي كبير لا يفنى، وثقافة متجددة لا تبلى، وسلوك رفيع وفكر راقي تسمو به الإنسانية إذا أجادت التمتع بالصبر عليه.

صبحة بغورة
متخصصة في كتابة المقالات السياسية والقضايا التربوية

اقرأ أيضًا: صبحة بغورة تكتب: لماذا يكره أطفالنا المدرسة؟

الرابط المختصر :

close

مرحبا 👋

سعداء بالتواصل معكم
قم بالتسجيل ليصلك كل جديد

نحن لا نرسل البريد العشوائي! اقرأ سياسة الخصوصية الخاصة بنا لمزيد من المعلومات.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى