تحت العشرين

صبحة بغورة تكتب: تطوير الذات وتعزيز الإيجابية لدى الأطفال

يبدأ الحديث عمومًا عن مفهوم تطوير الذات، انطلاقًا من الإدراك العميق بأثر الجانب الروحي على تقويم النفس؛ إذ به تسمو النفس وتتألق، فيتعزز تقدير الفرد لذاته.

وينطلق الحديث، أيضًا، من فهم طبيعة دور الجانب الاجتماعي كعنصر توازن حقيقي للإنسان في حياته، فبه تزهو حياة الفرد ويوفق في تلمس بدايته الحقيقية على الطريق نحو جعل أحلامه حقيقة.

أما الحديث عن تعزيز الإيجابية، فيرتبط ارتباطًا وثيقًا بشحن النفس بالطاقة الإيجابية، والانطلاق إلى أفق أوسع بكسر قيود الحزن وتجاوز الخيبات وحالات الإحباط، ثم التوجه بعزم نحو تطوير ما تم اكتسابه من خبرات سابقة لتشكيل مقومات شخصية على أرضية صلبة.

في البداية، من المهم استيعاب فكرة أنه لا توجد مسلمات عامة وثابتة في إدارة شؤون الحياة، وإنما هناك متغيرات دائمة ومفروضة علينا؛ لذا من المفيد أن يجر تكييف المفاهيم، وإعادة صياغة القناعات وفقًا لطبيعة معطيات الواقع المتقلب وإفرازات الأوضاع المتغيرة.

ومن الضروري الاقتناع بأبعاد هذه الفكرة، كي نضمن حسن احتواء فزعة المواقف غير المواتية، وامتصاص مفاجأة الأحداث غير المتوقعة، فتخف في داخلنا حدة الاصطدام النفسي بين ما كان مأمولًا ومكنونًا في دخيلة القلب، وبين وقوع فعل مخالف لما كان منتظرًا، أدى إلى نتيجة معاكسة خاصة إذا كانت ذات حمولة عاطفية ثقيلة وذات معاني نفسية مثيرة للإحباط .
سيكون هذا الأمر لدى الأطفال في غاية الحساسية، لذلك فمن الأهمية أن لا نخلط بين تقديم المعلومات والتعليق عليها، أي أن لا نعطي أحكامًا مسبقة لأمر كان من الأولى إعطاء معلومات كافية عنه منذ البداية حتى نترك للطفل الفرصة، كي يستوعب أولا طبيعة الموقف وأبعاده، ثم ليتوصل بمفرده إلى تكوين رأي تجاهه، ثم يشكل بنفسه رد فعله الذي يراه مناسبا للموقف.

هنا، سيتعمق في نفس الطفل تدريجيًا شعور بأنه يمكنه أن يتعامل مع مختلف الظواهر حوله، وأنه باستطاعته فهم طبيعة العلاقات المتشابكة في محيطه القريب ثم البعيد، وسيفهم أنه ينبغي أن يكون قريبًا من الأحداث وأن يستوعبها بسرعة بديهته وبعمق فهمه للعلاقة السببية.

حينها سيشعر بأن قدراته الذهنية تنمو وأن مشاعره تنضج وأن ذاته تتطور، أيضًا، ستختفي من نفسه رهبة المواجهة وستحل مكانها الشجاعة الأدبية، كما ستزول حماقة الاندفاعية غير المتبصرة والعشوائية في التصرف ليحل معها التروي في التفكير والتريث في إبداء رد الفعل، وسيميل إلى التفاعل مع ما حوله باهتمام محاولًا إيجاد حل للمشاكل لأن هذه هي النتيجة هي التي يرغب في الوصول إليها لأنها نهاية ترضيه.

التفاعل الإيجابي هو نتيجة تلقائية لتعزيز الثقة بالنفس لدى الطفل، التي هي في الحقيقة أهم مقومات الشخصية السوية ومفتاح النجاح الدراسي والمهني والاجتماعي، والثقة بالنفس لا تتشكل من فراغ بل هي ثمرة إيمان مطلق ونتيجة جهد واعي.

كذلك، الثقة بالنفس تستند بالضرورة إلى عقيدة عقلية وفكرية تؤمن بأن خلفية الرشادة هي العقل والعلم والعقل، وهي في مجملها تشكل عوامل تعزيز “الإيجابية” في نفس الطفل، والمقصود منها ببساطة تنشيط التفاعل الخيري والفوري والواعي في نفسه قولًا أو فعلًا وعملًا مع المعطيات الحياتية في مختلف المجالات.

فعندما تكتسب الأفكار العميقة الحيوية، حينها يمكننا أن نعايش الأحداث بل وأن تشكل مصدر إلهام فعلي حين تنثر الحكايات زهور عباراتها، فتداعب الذاكرة وترفع في النفس درجة الثقة، وتحرك التشويق للنجاح والخير.
من مظاهر “الإيجابية” في شكلها المتطور، المبادرة بالفعل الصالح، وحب المبادأة بخير الأعمال، وعدم انتظار أن يقع السيء منها، فتبدو إيجابية التعامل مجرد رد فعل قد يصدر في وقته المناسب وقد يأتي متأخرًا؛ فتفقد المبادرة جدواها وتصبح غير ذي موضوع.

ومثل هذه المبادرة بالفعل الإيجابي المبكر تتطلب قوة الحضور أولًا ووجود المبرر الكافي لها، وإلا تم اعتبارها محاولة مرفوضة للتدخل في شؤون الآخرين، لأنها ستكون أقرب إلى وصفها بالتطفل المقيت الذي يمكن أن يفشل جهود تعزيز الإيجابية ويصيب صاحبها بالخيبة والإحباط.

قد تؤدي عملية تطوير الذات من خلال إثراء معارف الطفل بمفاهيم المقاربة الذكية والتفكير النقدي مثلًا إلى اصطدامها اصطدام شديد بالمجتمع وثوابته بشكل عام على مستوى العقيدة والحقوق والأفكار إذا كانت لغة الحوار النوعي الجاد غائبة.

فتثبيت العلوم والمعارف وألوان الثقافة، تجري من خلال لغة الحوار التي تعتبر أساسية لضمان التواصل النافع والمفيد، مع التأكيد على أن من شروطه التكافؤ بين المتحاورين وأن يكون كل طرف مستمعا جيدا للثاني، وبهذا تتم عملية تهذيب الأفكار وتنمية المعارف وتقويم المعتقدات، فنسد بذلك السبيل أمام الاعتقادات الخاطئة والقيم المضللة والدعوات الهدامة، والميول نحو التشدد في الفكر والتطرف في الرأي، ثم التهديدات في الموقف التي لا تعني في الحقيقة شيئًا سوى محاولة إثبات الوجود.

صبحة بغورة
متخصصة في كتابة المقالات السياسية والقضايا التربوية

اقرأ أيضًا: صبحة بغورة تكتب: الفتور في العلاقات الإنسانية بين برودة المشاعر وتأزم العواطف

الرابط المختصر :

close

مرحبا 👋

سعداء بالتواصل معكم
قم بالتسجيل ليصلك كل جديد

نحن لا نرسل البريد العشوائي! اقرأ سياسة الخصوصية الخاصة بنا لمزيد من المعلومات.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى