استشارات

صبحة بغورة تكتب: اللباقة.. قيمة سلوكية أم ضرورة اجتماعية؟

أن يكون المرء قادرًا على تلمس الاتجاهات الفكرية التي تحكم سلوك الآخر فذلك من الفراسة، وأن يكون ذو مقدرة على التحديد الصائب للاتجاه الذهني في لحظة التحدث إليه فذلك من مهارات الشخصية الإيجابية في المجتمع ومن الصفات الفردية الجذابة في الحياة.

أيضًا، أن يكون لدى المرء القدرة على إدارة الحوار وتوجيهه نحو الوجه التي يفضلها الطرف الآخر حرصا على عدم إحراجه بموقف أو إيذاء مشاعره برأي؛ فذلك من أسرار الشخصية المحبوبة والمحترمة، لأن صاحبها يجيد المبادرة وبدون تردد بالتصرف الجيد بكل لباقة.

هذه اللباقة، سلوك اجتماعي ذو قيمة كبيرة في إقامة العلاقات الاجتماعية وتوطيدها، يجيدها من تدرب على أسرارها منذ الصغر حتى أصبحت جزء من شخصيته لا يمكن تغييرها في دائرة صفاته الإيجابية، ويؤدي التدرب عليها إلى النضج في الإلمام الواعي بالطرق العديدة التي يستطيع الشخص أن يكسب من خلالها صفة اللباقة.

وتعميمًا للفائدة، نحاول معا استعراض أهم هذه الطرق فيما يلي:

* الاجتهاد في حفظ وتذكر أسماء الأشخاص الذين تم التعرف عليهم وتثبيت وجوههم في الذهن.
* تعمد اختيار موضوع الحوار مع الآخرين حول الحديث الذي يهتمون به، وخاصة الذي يروق لهم سماعه.
* اتباع أسلوب المجاملة الدافئة لملامسة شغاف القلوب بعمق معنى العبارات التي ترسم البسمة بالمديح الصادق دون رياء أو نفاق.
* إدراك أن جهل المرء بحقيقة الشيء يمكن أن يجرح ــ ولو عن غير قصد ــ مشاعر الآخرين ويؤذيهم، فيتهمونه بالأنانية والغباء.
* حسن الكلام من حسن الاستماع، وهو أولى خطوات اللباقة في الحديث، والابتسامة عدوى تنتقل لتبعث البهجة في النفوس إذا كانت في حقيقتها ضحكة مع الآخرين لا الضحك عليهم.
* جعل الآخرين يشعرون بقدر مناسب من أهميتهم حسب مسؤوليات مكانتهم الاجتماعية، مع ضرورة الحذر من السخرية منهم أو التقليل من شأنهم والاستهزاء بإمكانياتهم.
* عدم إفشاء أسرار الآخرين أو الخوض مع الخائضين في أعراض الناس وترديد الشائعات، مع الحرص الشديد على أن يبقى المرء دوما محل ثقة كبيرة من الجميع.
* الإيمان العميق بأن الصداقة الحقيقية ثروة كبيرة، وأن الوفاق في العلاقات مع الأصدقاء والانسجام في العمل مع الزملاء وإبداء الاستعداد دوما لإسداء العون وتقديم الخدمات للجميع يمحو ما يكون قد علق بالعلاقات من شوائب، وأن الاعتراف الصريح والشجاع بالأخطاء يزيل المخاوف والشكوك.
* تنمية الاهتمام بمصالح الآخرين مع الحرص على اختيار العبارات المناسبة خاصة في المواقف الحرجة، لمحو الإحساس بالارتباك والنقص.

إن نيل محبة الأخرين ليس بالأمر الصعب، ومحاولة التقرب إليهم بمشاركتهم مشاكلهم ورؤية كل الصفات الجميلة فيهم هي في الحقيقة مهارة مهمة لكل من لديه الاستعداد أولًا والمقدرة على تلمس الصفات الطيبة في الآخرين.

التعرف مثلًا على زميل جديد في العمل أو جار حل حديثا في الجوار، يتطلب أن يقوم المرء بدراسته دراسة موضوعية مجردة من أي أحكام مسبقة أو اعتبارات خاصة، وذلك بتوجيه الاهتمام نحو تلمس صفاته الإيجابية المحببة، ومنها سيكتسب المرء صفة الصبر مع الآخرين كعادة أخرى تضاف إلى مقومات جاذبية شخصيته، لأن الصبر في التعامل مع الآخرين من عناصر اللباقة الحقيقية، خاصة عندما ينصرف صبرنا إلى ما لا يروق لنا ولا يثير إعجابنا من حيث عدم انسجامه مع العادات الراسخة، وابتعاده عن السلوكيات القويمة ومخالفته للعقائد الثابتة في فكر ووجدان المجتمع، ومن اللباقة قوة تحمل سلوك وأراء الآخرين دون عرض ما يجب عليهم فعله أو فرض ما يحب المرء عليهم.

للكلمة دور كبير ومهم في بعث مشاعر الرحمة بين الأفراد، وهي بذلك همزة الوصل بين الأفكار والأحاسيس، وتنبع قوة الكلمة من كونها فن من فنون الدبلوماسية التي تحدد طبيعة ومستوى العلاقات الإنسانية عمومًا، ولا يؤمن بفعاليتها سوى من كان يجيد التعبير بها، ومن كان يعتقد جازما بأن الكلمة الطيبة تعتبر من العمل الصالح في الميزان.

ومن اللباقة، إشباع لهفة الآخرين إلى كلمات المديح والإطراء وعبارات الإشادة والتشجيع، وكافة أشكال التعبير عن الشكر والامتنان، بمعنى أن يكون المرء أكثر إيجابية بإبداء مظاهر التقدير والعرفان تجاه ما يقدمه الآخرون من خدمات، وهذا يفترض بداهة عدم التزام الصمت في غير موضعه.

الرحمة الحقيقية في التعامل، تدعم الروابط الأسرية وتعزز العلاقات الاجتماعية، وهي من أهم متطلبات المجتمع لأنها حين تمليها المشاعر ويساندها الذكاء فإنها تعني اتحاد القلب والعقل، فتنفذ بالبصيرة الواعية إلى مشاكل الناس للأخذ بأيديهم ومساعدتهم على حل مشاكلهم، فالرحمة الخالصة المتبصرة هي أحسن وسيلة لإظهار مقدار المحبة وتأكيدها في النفوس.

إن من فضائل اللباقة، جعل الحياة أسهل وأهون احتمالا، وبالمحبة تسود السكينة والطمأنينة والوفاق، والحب الذي يشمل كل أفراد الأسرة ينطلق تلقائيا إلى خارج نطاق الأسرة وحدود المنزل دون تفرقة، لأن الحب بطبيعته معاملة يجب أن تبنى عليه عاداتنا ونحدد على أساسه تصرفاتنا.

وما أكثر صور الحب الموجودة في ديننا الحنيف، لهذا يجب أن يرسخ إيماننا الاعتقاد الأكيد بأن نحب الناس في المقام الأول لأننا نحب أنفسنا، وأن نقيـّم حاجتنا للحب والرحمة والكلمة الطيبة بمقدار حاجتنا للطعام والماء والهواء.

صبحة بغورة
متخصصة في كتابة المقالات السياسية والقضايا التربوية

اقرأ أيضًا: صبحة بغورة تكتب: الدعوة لإعادة الرومانسية للحياة الزوجية

الرابط المختصر :
close

مرحبا 👋

سعداء بالتواصل معكم
قم بالتسجيل ليصلك كل جديد

نحن لا نرسل البريد العشوائي! اقرأ سياسة الخصوصية الخاصة بنا لمزيد من المعلومات.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى