تعتبر مراسم ليلة شب يلدا من بين أبرز التقاليد الإيرانية الأصيلة، وهي آخر ليلة من ليالي الخريف وأطول ليالي السنة، كما أنها أول ليلة شتائية. حيث يختتم فيها برج القوس ويبدأ برج الجدي في هذه الليلة يتهيأ الأجداد والجدات والآباء والأمهات لاستقبال أولادهم المتزوجين في بيوتهم واحتضان أحفادهم الزائرين لهم.حاملين معهم الحب والمودة والهدايا، حيث تجتمع الأسر في بيوت الآباء وتوضع في متناول الأيدي الأطباق المليئة بالبطيخ الأحمر. فضلًا عن المكسرات من الفستق والجوز والحب واللوز والبندق وضيف الشرف هو ديوان الشاعر الكبير حافظ الشيرازي
أساطير من الطبيعة
و كلمة «شب» تعني الليل، ويلدا» هي كلمة سريانية تعني الولادة، ولادة الشمس (الرأفة والشفقة) . ويسميها الروم (ناتاليس أنويكتوس). ويبدأ شهر (دي) الذي يعتبر في عادات الكثير من البلدان العريقة بداية العام أيضُا. ويتفاءل به الكثيرون ويرونه خلاصًا للشمس من مخالب ليالي الشر وبدءًا ليوم تشرق فيه شمس الخير والرحمة. وهذه الليلة تصادف ليلة 21 ديسمبر، حيث يعتقد الكثيرون أنها ليلة ولادة السيد المسيح، وبدء السنة الميلادية الجديدة.
تقويم تراثي
و«شب يلدا» هي مطلع فصل الشتاء وآخر ليلة من ليالي الخريف، وهي أطول ليلة في السنة. وفي تلك الليلة أو حواليها تنتقل الشمس إلى برج الجدي وكان القدماء يهتمون بهذه المناسبة كثيرًا. وفي معظم مناطق إيران تجري مراسم خاصة في هذه الليلة، ويشبه الشعراء جدائل الحبيب وسواد البعد والفراق بطول هذه الليلة. وثمة أشعار نظمها شعراء مثل سنائي الغزنوي، وصائب التبريزي، وسعدي الشيرازي ومغزي وخاقاني. وسيف أسفرنجي تشير إلى العلاقة الوثيقة بين المسيح وشب يلدا التي تصادف في السابع من شهر (دي) بالتقويم الجلالي. والليلة 21 من ديسمبر الشمسي.
مناسبة تجمع العائلة
وفي هذه الليلة يأتي الأبناء إلى بيوت آبائهم ويجلس الجميع يتسامرون ويتحدثون حتى مطلع الفجر . ويتناولون الفاكهة والمكسرات والطعام قرب المدافئ ويستأنسون بأشعار حافظ. فهو حفل عائلي ومراسم للفرح، وقد وصف كبار الشعراء والأدباء هذه الليلة في أشعارهم. واستعاروها لمناسبات متعددة كما نجدها في دواوينهم. أما العالم أبوريحان البيروني فوصف الأول من شهر (دي) بأنه اليوم السعيد في زمن الإمبراطورية الشاهنشاهية.
لا يوجد طعام معين ومخصص يقدم في ليلة يلدا بالذات، بل الأمر يرتبط بالحالة الاقتصادية والمستوى المعيشي للأسرة. ما تأكله العائلات في ليلة يلدا على وجه الخصوص يشمل فواكه الشتاء مثل البطيخ أو الرقي (البطيخ الأحمر) والعنب والرمان والسفرجل والتفاح والخيار وأمثالها. وهذه الفواكه ينبغي أن تؤكل كلها ولا يبقي منها أي شي لليوم التالي (عدا التفاح والسفرجل). فما يبقي من الفواكه لا يؤكل بعد كما أن المكسرات والكرزات تقدم هذه الليلة للضيوف . وتضم الحمص والفستق والحب واللوز والبندق والزبيب والتين المجفف والتوت الجاف، وهي من أوجب الأشياء في مائدة هذه الليلة.
ومن التقاليد المتبعة في ليلة يلدا قراءة أبيات من شعر حافظ على طريقة النقال لا على التعيين. وتتم كذلك قراءة ملحمة الشاهنامة أو أجزاء منها في هذه الليلة. وتسرد القصص من قبل الآباء والأجداد للأحفاد المجتمعين حول المدفاة.
الثقافات المتنوعة
ونظرا لاتساع مساحة إيران وانتشار ثقافات متعددة ومحلية فيها، فإننا نجد تنوعًا في إقامة ليلة يلدا في مختلف البلاد. ففي إقليم جيلان هناك فاكهة يجب أن تؤكل في هذه الليلة اسمها أوكونوس). وهي عبارة عن ثمرة شجرة (المشملة) المنقوع في الماء بالخزف والمخمر لمدة معينة.
وفي تبريز تتزامن مراسم يلدا مع نغمات فرق الموسيقى التقليدية، ويؤدون حركات فلكلورية. ويسردون الحكايات المستلهمة من الأساطير الإيرانية القديمة.
أجيال تتناقل ثقافة وحضارة أوطانها
وفي لرستان يتناول الناس الحنطة الممزوجة مع الحليب، حيث تنقع الحنطة مع الحليب وتضاف إليها التوابل والملح. ثم يعمل كالخبز على صفائح الحديد الساخنة، وتؤكل مع البندق والفستق والجوز واللوز والسمسم والحبة السوداء والزبيب. كما تجري مراسم مماثلة لليلة يلدا في لرستان تشبه مراسم (ماجينة) في العراق أو (القرنقعوه في الدول العربية الخليجية. فيبادر صاحب البيت إلى إعطاء المراجعين المجتمعين على باب الدار كمية من المكسرات التي أعدها لهذه الليلة. وهناك الكثير من صور مراسم ليلة يلدا في إيران ذات التقاليد والعادات الأصيلة، بقيت الأجيال تتناقلها وتعتز بها، فهي جزء من ثقافته وحضارته.


















