كانت ليلة لم يسبق أن شهدت مثلها المدينة الخالدة، تمازج تحت قمرها شجن الربابة مع نقاء البيانو. وذابت في نسائمها حشرجة الناي العميقة بين جداول الكمان الماسية، فانتشت روما بعذوبة تثاقف موسيقي فريد تآخت فيه الأوركسترا والكورال الوطني السعودي مع أوركسترا «فونتاني دي روما» أو نوافير روما. بقيادة المايسترو الإيطالي العالمي مارتشيلو روتا. وتوّجه النجم الإيطالي الذائع الصيت آندريا بوتشيلّي بنخبة من الأغاني التي أطلقت شهرته في أصقاع المعمورة كواحد من أجمل الأصوات وأقواها.
واستضافت روما، في قلب وسطها التاريخي، حفل «روائع الأوركسترا السعودية» الذي أقيم داخل حديقة الكولوسيوم. أشهر المعالم الأثرية في العالم حسب تصنيف اليونسكو. وجاء ذلك برعاية الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان آل سعود، وزير الثقافة السعودي رئيس مجلس إدارة هيئة الموسيقى.
تعزيز الحوار الثقافي بين السعودية وإيطاليا عبر الموسيقى والفنون الأدائية
جمع الحفل 32 موسيقيًا من الأوركسترا والكورال الوطني السعودي، إلى جانب 30 موسيقيًا من الأوركسترا الإيطالية. وتضمّن مجموعة مختارة من الأعمال السعودية والإيطالية والعالمية.
كما استعرض أشهر الفنون الادائية السعودية مثل عرضة وادي الدواسر، وفن الخطوة، والفن الينبعاوي. تحت عباءة هيئة المسرح والفنون الادائية ضمن مسعاها لإبراز تنوع الفنون الادائية التقليدية السعودية.
وتخللت الحفل مقطوعة موسيقية بعنوان «الحجر وروما» مع كلمات المؤرخ والباحث الدكتور سليمان الذيب. وهي تعكس عمق الروابط الثقافية بين السعودية وإيطاليا، وتستلهم إرث الحضارتين في تجربة فنية تجسّد امتداد الحوار الثقافي عبر الزمن. وتؤكد دور الموسيقى لمدّ جسور التواصل بين الشعوب والحضارات، انطلاقًا من العلاقات القائمة على الشراكة والاستقرار والتقدير الثقافي المتبادل
ويندرج هذا الحفل في سياق جهود «روائع الأوركسترا السعودية» لتعزيز الحضور الثقافي للمملكة عالميًا. وتمكين الفنانين السعوديين من التفاعل مع جمهور عالمي، والاحتفاء بالهوية الموسيقية السعودية وإبرازها.
وعلى هامش الحفل، أجرت «الشرق الأوسط» حوارًا مشتركًا مع المايسترو مارتشيلّو روتا والرئيس التنفيذي لهيئة الموسيقى باولو باسيفيكو, أكّد فيه الأول أن «هذا اللقاء هو تحوّل غير مسبوق» بالنسبة إليه في فضاء التعاون الموسيقي الدولي. وهو «حوار تفاعل بين ثقافتين، بعيدتين جغرافيًا لكن تقربهما أواصر تاريخية وحضارية».
تقديم تجربة موسيقية تمزج التراثين السعودي والغرب
وأضاف روتا: «نحن لا نقدم مقطوعات موسيقية منفصلة كما يحصل عادة عندما يتشارك في الأداء موسيقيون من بلدان مختلفة. بل نبني رحلة موسيقية متواصلة وتدرجية تنطلق من التنوع الذي هو جوهر الإبداع ومحفزّ أساسي له. وعندما نلاحظ كيف تتداخل الآلات الشرقية إلى جانب العناصر التراثية السعودية مع الآلات الغربية وعناصر التراث الموسيقي الإيطالي، تنفتح آفاق جديدة غير مألوفة».
هذا المزيج بين المقطوعات السعودية وموسيقى فردي وبوتشيني وروسّيني، يولّد «منتوجًا موسيقيًا فريدًا من نوعه»، بحسب وصف «روتا».
وعن مشاركة آندريا بوتشيلّي في الحفل، قال «روتا» إن علاقته بهذا النجم الإيطالي العالمي تعود إلى نيّف وثلاثين عامًا. جابا خلالها القارات الخمس، وكان سبق لبوتشيلّي أن أحيا حفلًا غنائيًا في العلا.
وأشاد «روتا» باحتراف الموسيقيين السعوديين ومستوى انضباطهم. وقال إن الموسيقيين الإيطاليين يشعرون بفضول كبير لاكتشاف الموسيقى السعودية والتمازج معها.
وقال باولو باسيفيكو، الرئيس التنفيذي لهيئة الموسيقى السعودية، إن «الهيئة ماضية في مساعيها لحمل الأوركسترا إلى عواصم ثقافية مختلفة. والتواصل مع موسيقيي البلدان الأخرى وتراثها، وايصال الموسيقى والثقافة السعودية للمرة الأولى إلى تلك البلدان».
وأضاف: «تهدف هذه المساعي إلى أن يتمتع جمهورنا السعودي بالثقافة الموسيقية السعودية وتمازجها مع أرفع الثقافات الموسيقية في العالم. ونحن نفتخر بأن الموسيقى والثقافة السعودية تجلس حول نفس المائدة مع أبرز الثقافات الموسيقية».
إبراز الهوية الوطنية على المسرح الدولي
وقال باسيفيكو لـ«الشرق الأوسط»: «الموسيقى تزخر بقوة هائلة للجمع بين اللغات والثقافات والحضارات. وفي كل حفل نجد شيئًا فريدًا وجميلًا ينبع من هذا التمازج بين الموسيقى السعودية والموسيقى المحلية في البلدان التي نزورها. في أستراليا الربابة إلى جانب آلات الشعوب الأصلية القديمة، وفي نيويورك الناي بجانب الساكسفون. في كل محطة نلمس كيف أن الموسيقى تجمع وتوحّد بين الشعوب، وتفتح أبواب الابداع على مصاريعها».
وأضاف أن «المجتمع السعودي، بعائلاته وشبابه وطلابه، يتجاوب بقوة وبشكل رائع مع الأنشطة الموسيقية، ويعتزّ بتراثه ويهتمّ بالتعرّف عليه».
من جانبه، أكد الدكتور محمد حسن علوان، الرئيس التنفيذي لهيئة المسرح والفنون الأدائية، أن المشاركة جسدت امتزاجًا بين عراقة المسرح الروماني بوصفه رمزًا حضاريًا عالميًا، والفنون الأدائية التقليدية السعودية بوصفها جزءاً من الهوية الوطنية. كما أشار إلى أن العرض قدم الثقافة السعودية بطابع فني يبرز حضورها الدولي ويعزز التواصل الثقافي بين الشعوب.















