لم يعد السفر بالنسبة للجيل الجديد (جيل زد) مجرد وسيلة للهروب من ضغوط العمل أو روتين الحياة، بل تحول إلى “أولوية وجودية” وأداة لصياغة الهوية الشخصية. هذا الجيل، الذي ولد في أحضان التكنولوجيا ونشأ على قيم الوعي البيئي، أعاد رسم خارطة السياحة العالمية. محولًا إياها من صناعة تعتمد على المظاهر إلى تجربة ترتكز على “الجوهر والاستكشاف”.
السفر كأولوية.. هل تغيرت اهتمامات الشباب؟
بحسب “albiladpress” تشير الدراسات السلوكية الحديثة إلى تحول جذري في أولويات الشباب؛ فبينما كانت الأجيال السابقة تركز على الاستقرار المادي التقليدي (مثل شراء العقارات أو السيارات) في بداية مسيرتها، يضع “جيل زد” تجارب السفر والاكتشاف في مقدمة قائمة أهدافه.
بالنسبة لهذا الجيل، السفر هو “رأس مال ثقافي”. إنهم ينظرون إلى اكتشاف العالم كنوع من التعليم الموازي، حيث يمنحهم السفر مهارات مرنة، ويعزز قدراتهم على التكيف، ويوسع آفاقهم الفكرية. لذا، أصبح الشباب اليوم يميلون إلى ادخار أموالهم خصيصًا لخوض مغامرة في قرية نائية في آسيا أو التطوع في محمية بيئية في أفريقيا، معتبرين أن “امتلاك الذكريات” أثمن بكثير من “امتلاك الأشياء”.

البحث عن “الأصالة” في زمن التزييف
من أبرز سمات سفر جيل زد هو النفور من الوجهات “المعلبة” أو السياحة التجارية المزدحمة. إنهم يبحثون عن التجربة الأصيلة؛ تلك التي تتيح لهم الاندماج مع السكان المحليين، وتذوق الأطباق التقليدية في أزقة غير مطروقة، وتعلم حرف يدوية تكاد تنقرض. هذا البحث عن المعنى جعل “السفر البطيء” (Slow Travel) هو النمط المفضل، حيث يقضي المسافر وقتًا أطول في مكان واحد ليفهمه بعمق، بدلًا من القفز بين المدن لالتقاط صور سريعة.
الذكاء المادي: الجودة مقابل التكلفة
رغم أن هذا الجيل يقدّر التجارب الفاخرة التي تحمل طابعاً خاصاً، إلا أنه جيل عملي بامتياز وحساس للتكلفة. وبسبب تواجدهم في بداية مسارهم المهني، يبرع شباب جيل زد في استخدام “اقتصاد المشاركة”:
- يفضلون بيوت الضيافة المستدامة والشقق المشتركة.
- يعتمدون كليًا على التقييمات الرقمية ومقاطع (TikTok) و(YouTube) لكشف جودة الوجهات بعيدًا عن إعلانات الشركات.
- يميلون إلى الرحلات القصيرة المتكررة التي تمنحهم جرعات متجددة من الإلهام دون إرهاق ميزانياتهم.
التكنولوجيا والبيئة: سفر بضمير رقمي
لا يمكن فصل تجربة السفر لدى جيل زد عن هاتفهم الذكي، لكن التكنولوجيا هنا وسيلة وليست غاية. فهم يستخدمون الذكاء الاصطناعي لتصميم خطط سفر لحظية، ويعتمدون على التطبيقات لضمان رحلة “بلا أوراق”. وفي المقابل، يبرز الوعي البيئي كشرط أساسي لاختيار الوجهة؛ فجيل زد هو المحرك الأول للسياحة الخضراء، حيث يقاطعون الأماكن التي تسيء للبيئة أو الحيوانات، ويدعمون الوجهات التي تتبنى ممارسات مستدامة، مما يجبر قطاع السياحة العالمي على التحول نحو “الأخضر” لإرضاء هذا الجمهور الواعي.

فلسفة الرحلة المستمرة
إن جيل زد لا يسافر ليتصور أمام المعالم الشهيرة فحسب، بل يسافر ليفهم العالم ويفهم نفسه بشكل أفضل. لقد أصبح الاكتشاف بالنسبة لهم “أسلوب حياة” وليس حدثًا موسميًا. ومع استمرارهم في قيادة دفة الاقتصاد السياحي، يجد العالم نفسه أمام نوع جديد من المسافرين: مسافرون يمتلكون ضمير بيئي، وعقل رقمي، وقلب يبحث دائمًا عن الحقيقة في تفاصيل الثقافات الأخرى.



















