وأوضح المهندس ماجد أبو زاهرة؛ رئيس الجمعية الفلكية بجدة، أن هذه الظاهرة تحدث عندما تصل الشمس خلال حركتها الظاهرية السنوية إلى خط عرض مكة المكرمة البالغ نحو 21.4 درجة شمالًا، فتسقط أشعتها عموديًا على الكعبة المشرفة لحظة الزوال ليصبح اتجاه الشمس في تلك اللحظة مطابقًا لاتجاه القبلة بالنسبة لجميع المناطق التي تكون الشمس فيها فوق الأفق.
وأضاف أن تعامد الشمس على الكعبة يعد من أدق الوسائل الفلكية المستخدمة لتحديد القبلة. وقد اعتمد عليه علماء الفلك والميقات عبر التاريخ في تصحيح اتجاهات المحاريب قبل ظهور الوسائل الحديثة. كما أكد أن هذه الظاهرة تمثل تطبيقًا عمليًا للحسابات الفلكية الدقيقة المرتبطة بحركة الأرض والشمس.

وسيلة طبيعية لتحديد اتجاه القبلة
وتبرز أهمية الظاهرة في أن ظل أي جسم رأسي عند لحظة التعامد يشير مباشرة إلى الاتجاه المعاكس للقبلة. بينما يمثل اتجاه الشمس نفسه اتجاه الكعبة المشرفة. ما يسمح للمسلمين في الدول التي تكون الشمس فيها ظاهرة وقت التعامد بالتحقق من دقة اتجاه الصلاة بسهولة كبيرة.
وأشار “أبو زاهرة” إلى أن الاستفادة من الظاهرة لا تتطلب أدوات خاصة. إذ يكفي تثبيت عصا أو أي جسم مستقيم على سطح مستوٍ قبل موعد التعامد بقليل. ثم مراقبة اتجاه الظل في اللحظة المحددة، وهي طريقة تمنح درجة عالية من الدقة، خصوصًا في الدول البعيدة عن مكة مثل أوروبا والأميركتين وشرق آسيا وأستراليا. فيما تستخدم داخل المملكة وفي المدن القريبة من مكة كوسيلة إضافية لمراجعة اتجاه القبلة في المساجد والمنازل.
اختفاء الظلال داخل المسجد الحرام
ومن المشاهد اللافتة المصاحبة لهذه الظاهرة أن الأجسام الرأسية داخل المسجد الحرام تكاد تفقد ظلالها لحظة التعامد. نتيجة وصول الشمس إلى ارتفاع يقارب 90 درجة فوق الأفق. ما يعكس دقة هذا الحدث الفلكي الذي يحدث عندما تصبح أشعة الشمس شبه عمودية على سطح الأرض في مكة المكرمة.

وأوضح رئيس الجمعية الفلكية أن اختلاف اتجاه الظلال في بقية مناطق العالم خلال اللحظة نفسها يبرهن على كروية الأرض. ويجعل من الظاهرة وسيلة تعليمية مهمة لفهم المبادئ الأساسية لعلم الفلك والإحداثيات الجغرافية، إلى جانب استخدامها في تحديد اتجاه القبلة.
لماذا تتكرر الظاهرة مرتين كل عام؟
ويرجع تكرار تعامد الشمس على الكعبة مرتين سنويًا إلى ميل محور الأرض بنحو 23.44 درجة. إذ تتحرك الشمس ظاهريًا بين مداري السرطان والجدي. كما تعبر خط عرض مكة مرتين خلال العام:
– الأولى أثناء انتقالها شمالًا في أواخر مايو.
– الثانية خلال عودتها جنوبًا في منتصف يوليو.
ويؤكد المختصون أن تعامد الشمس على الكعبة لا يعني أنها تقع في مركز الأرض أو أن الشمس لا تتعامد إلا فوقها. فهذه ظاهرة فلكية طبيعية تحدث فوق أي موقع يقع بين مداري السرطان والجدي عندما تمر الشمس بخط عرضه خلال رحلتها السنوية.
أهمية علمية ودينية
ولا تقتصر أهمية الظاهرة على الجانب الديني المتعلق بضبط اتجاه القبلة، بل تمتد إلى الجانب العلمي أيضًا. إذ تمثل اختبارًا عمليًا للحسابات الفلكية الحديثة. كما تستخدم في تعليم مفاهيم حركة الأرض والإحداثيات السماوية. وتوضح العلاقة الوثيقة بين العلوم الفلكية والتطبيقات اليومية.

وتعكس الظاهرة الإرث العلمي الذي تركه علماء المسلمين في علم الفلك والميقات. الذين استفادوا من حركة الشمس والنجوم لتحديد أوقات الصلاة واتجاه القبلة قبل ظهور التقنيات الحديثة. ما يجعل تعامد الشمس على الكعبة حدثًا يجمع بين الدقة العلمية والقيمة الحضارية.
ويعد تعامد الشمس على الكعبة المشرفة اليوم فرصة سنوية ينتظرها المهتمون بالفلك. كما يمنح ملايين المسلمين حول العالم وسيلة مجانية وطبيعية للتحقق من صحة اتجاه القبلة. في مشهد يجسد دقة النظام الكوني ويبرز التكامل بين العلم والظواهر الطبيعية.















