عندما تختلف الأديان وتتعدد صدف الحياة بين مختلف الجنسيات فتفرض على البشر مسرى القدر. علمنا حينها مغزى أننا خلقنا شعوبا وقبائل لنتعارف من خلال التجارب في رحلة الحياة ، فننسج علاقات الصداقة والتعاون والحب.
ما أقدس أن يتفق الذكر والأنثى على إحياء سنة الله في الخلق حين يكلل حبهما بالزواج. ما أروع أن يتم الزواج رغم وجود فروق هامة بين الزوجين تتعلق بطبيعة النشأة واختلاف في العادات والتقاليد وحتى في الدين.
قد يصعب في غمرة فرحة بلوغ سدرة المشتهى أن تتم الإحاطة بتبعات هذا الارتباط. أو أن يكون هناك إدراكًا كافيًا منذ البداية بتأثيره المستقبلي. ولكن حين تفرز التجربة الفعلية نتيجتها المنتظرة أي حين ينجبا الأطفال حتمًا سيشمل وقع الاختلاف أساس وأسلوب التربية.
إن الاعتبار هنا يتعلق بأحد أهم مقومات الشخصية وهو الدين، المذهب والعقيدة، الذي يتجاوز كل المشاعر حتى التي لا تتحمل النفس مفعولها. كالحب الذي يسيطر على كيان كل فرد ويمنعه من التمرد على ما لا يملك إلا أن يطاوعه. فيستسلم له، كما يستسلم لما تحيكه الحياة من مكائد. المهم أن النتيجة قد تكون زواجًا صحيحًا وذرية تستقبلها الأسرة بفرح كبير؛ لأنها ثمرة علاقة جيدة.
يحتاج كل الطفل عند بلوغه سن الإدراك أن يتلقن ما يكوّن شخصيته. ولأن الشعائر الدينية تختلف عن بعضها فالممارسات الدينية وطريقة العبادة أيضًا ستختلف. ولكن المتفق عليه أن المبادئ والقيم الإنسانية واحدة لا تختلف، وثابتة لا تتغير. وبما أن التربية الصحيحة لا تحدد دينا عن غيره، فالتعامل مع براءة الأطفال سيصعب المهمة على كل والدين يعتنق كل منهما ديانة تختلف عن الأخرى.
فقد يتعرضون لتلقي أسئلة خلال لعبهم ولهوهم مع أقرانهم تخجلهم وتلفت انتباههم إلى ما كان مسكوتا عنه. فيطرحون أسئلة حائرة على والديهم متسائلين بنبرة حيرة وكأنهم يعيشون حياة غير طبيعية. ويبلغ الحرج ذروته عندما يجدون أنفسهم بين ممارسات مختلفة لطقوس وشعائر متباينة داخل المنزل الواحد. وكل من الوادين واثق من ممارساته ويرى نفسه على حق. فهل يقلد الطفل أباه أم أمه اللذان يختلفان تمامًا في الدين؟

هنا يمكن أن يسبب تساؤله مشكلا عن غير قصد منه، وهنا يكمن الخطر على نفسية الطفل. هناك من يؤكد أنه لا يحق لأي أحد أن يفرض دينه واعتقاده على الطفل الصغير. برغم الاعتراف بضرورة قيام الأبوين بالدور الأول والأساسي في تشكيل شخصية الطفل وإكسابه أنماط السلوك القويم والفكر الراجح والتوجه الصحيح.
ولأن الدين مصير الإنسان الأبدي الذي يحدد لفرد مسرى الحياة الدنيا ومصير الآخرة، وبما أن الفطرة الربانية خالدة وعديمة الزوال. وأنها سرعان ما تجد فرصتها للتحرر بمجرد حدوث لبس بسيط. فإن الطفل سيقوم بنفسه برحلة البحث لنفسه عن إجابات لتساؤلاته تحقق له الراحة النفسية التي لن يبلغها إلا باتخاذ القرار النهائي الذي ينتهج به مسرى حياته.
ليس الأمر سهلًا كما قد يبدو، فأحيانًا يتفق الزوجان مسبقًا على الدين الذي سيعتنقه طفلهما. ورغم الاتفاق المسبق إلا أن مشاكل ستحدث بينهما حتى إن كانا متحضرين وتركا المهمة لصاحب القرار. إذ سرعان ما ستضرم نار التنافس بشكل لافت ومزعج إذ سيبرز كل منهما ممارساته وطقوسه بشكل مهيب يضع الطفل أمام الضغط الكبير؛ لأنه يراهما كلاهما قدو له رغم اختلافهما.
عندما لا يتفق الزوجان على طريقة التربية الدينية لأطفالهما فعلى الأقل عليهما أن يحافظا على علاقة قوية بأطفالهم بالحب والحوار. وأن يحرصا على تمضية أوقات ممتعة معهم، ويعملان على تحديد ما هم متفقون عليه لبعث الطاقة الإيجابية وبلوغ المزيد من مستويات الاتفاق والتفاهم والانسجام. بذلك يسهل محاولة إيجاد أسباب الاختلاف في أسلوب التربية الدينية وحصرها، ومن ثمة الاتفاق على الأساسيات مثل اعتبارات السلامة والأمان والاحترام والحب.

ليس هناك أشق على الوادين من رؤية طفلهما أسير القلق تجاه وضع غير مسؤول عنه، أو محكوم بالحيرة في أمر يتجاوز إدراكه وخبرته في الحياة ولا يملك حياله أي راي أو قرار، وعند تعرضه لأي موقف في حياته اليومية على الوالدين تحديد ما الذي سيتعلمه الطفل منهما، وأن يساعداه على استخلاص الحكمة، وأن يشجعوا أنفسهم وطفلهما على القراءة المتنوعة، واستشارة مختص في علم الاجتماع أو علم النفس، كما يجب أن يعلماه حسن الاستماع ومهارة التمعن وملكة التأمل حتى يحسن اختبار مقوماته الشخصية عن قناعة وبكل الرضا عن نفسه دون أن يفرضها عليه أحد، وأن يتقن فن الكلام على مهل، وأن يلتزم بعدم التحدث عن والديه بصيغة الغائب.
المؤكد لدى بعض الأطباء النفسانيين أن التنشئة الاجتماعية تختلف كثيرًا، وهناك بعض الأزواج يتفقون مسبقًا على دين الطفل فيغلب طرف على الآخر، وسيبقى هذا الطرف الآخر محايدًا، وهنا تخلق المشاكل بينهما في درجة الاتفاق، لكن إذا كانا غير متفقين قبلا وتركا للطفل حرية الخيار سيبدأ التنافس سنجد كل طرف يحاول ساعيا وكأنهما في سباق، وسيضع هذا الحال الطفل تحت ضغوط كثيرة وسيخلق في نفسه حيرة كبيرة، لكنه غالبًا سيميل لجهة الأم لأنها الأكثر تأثيرًا عليه ودائما معه، أما الأب فسيفعل لمستحيل لكسب طفله والتأثير عليه، ولكن الطفل الذي يتعلم لغة الأم أسرع فحتما سيتلقن الدين عن أمه غالبًا.
إن العائلة التي كانت من شخصين تعارفا وتحابا فجمع الله بين قلبيهما قد تعايشا سنوات رغم اختلافهما، ورزقهما الله لذرية كانا يعلمان أن اختلافهما سنة سنها الله فيهما لحكمة يعلمها، ومن المحال أن يخلق الله تعالى مشكلات وعراقيل دون أن يفرض لها الحلول التي تحتاج فقد من يتفطن لها.


















