في صباح صحو مشرق التقى ركب في غابة Forêt de Sénart يسير على رأسه الملك لويس الخامس عشر بين حاشيته من صفوة القوم للاشتراك معه في نزهة الصيد. وكانت مدام “جين أنطوانيت بواسون” 1721-1764 -المركيزة بومبادور فيما بعد- من بين المدعوين تحظى لأول مرة برؤية الملك الذي صرعته سهام من عينيها بنظرة. كانت الكلمات الأولى في قصة تنبأ بها أحد العرافين لأمها وهي طفلة في التاسعة من عمرها، وصارت محظية الملك.
سحر الشخصية وجمال الملامح
كانت المركيزة بومبادور أرستقراطية مثقفة في عهد التألق والرفاهية ذات شخصية جذابة فاتنة. وكان شقيقها “أبيل فرانسوا بواسون” أو المركيز دي ماريني marquis de Marigny؛ مدير عام لمباني الملك في ذلك العهد.

أسرت بعذوبتها المقربين إليها من صفوة القوم وعباقرة المصورين في عصرها، وظلت بومبادور طيلة حياتها لغزًا غامضًا. فأذهلت العقول بسعة خيالها ومهارتها في اصطياد القلوب واكتساب مودة ومحبة كل من رآها أو سمع عن حسنها النادر ورشاقتها الساحرة.
ويقول في وصفها الضابط لاروا أحد ضباط الصيد في غابة فيرساي : “كانت بومبادور ذات جمال نادر وجاذبية قوية تفيض على شخصيتها الفاتنة. وكان لها وجه بيضاوي مناسب لاعتدال قامتها، وهي ليست بالقصيرة. وشعرها يقرب إلى الأصفر الرمادي الفاتح وليس الذهبي. وعيناها ليس لهما لون ثابت فيهما ضياء الأسود وعذوبة الأزرق وفتور الرمادي. تحليهما أهداب من لون شعرها، وأنف جميل وفم فاتن عذب الابتسامة. يفتر عن أسنان لؤلؤية، وملامح وجهها كثيرة التغير والتأثر”.
شغف المركيزة بومبادور بالفنون
أولعت بومبادور بالفنون الجميلة؛ ومنها الرسم والتلوين، كما كانت تنظم الأغاني الشعبية. فقالت في مطلع إحداها: “لن نلتقي بعد اليوم في الغابة بعد أن قلموا أفنان أشجارها..”.
وكان من آثار ولعها بالفنون أنها لم تقف عند حد في تشجيعها للفنانين. كما كان من أسعد أوقاتها أن تجلس أمام المصورين. ليسجلوا بريشتهم صورتها منهم الفنان ناتييه Nattier” 1766-1685″. الذي كان الحظ حليفه في تصويرها وهي في عامها العشرين على ميدالية محفوظة الآن بمتحف قصر فيرساي، وهي أول صورة رسمت لها.

كانت تبدو كمن أرادت أن تتحدى فنونهم بجمالها وحسنها وظرفها ورقتها. فلم تحرم مصورًا في عصرها من جلسة يستمتع فيها برؤية جمالها الساحر الفاتن. بينما تظل تحت تصرفه بمحض إرادتها كنموذج عليها أن تجلس أمامه وقتما شاء. وأن تستريح وقتما شاء.
لم يكن هذا الرضى من جانبها إلا بغية الحصول على صورتها التي كانت شديدة الافتتان بها. ورغبتها الكامنة في قرارة نفسها لمعرفة سر جمالها الذي كان يتغنى به الشعراء والأدباء بعد أن أسرت قلوب كثير من نبلاء القوم وأشرافهم.
صورها “فرانسوا بوشيه” 1703ـ 1770 “François Boucher” الفنان الفرنسي كالغزال الشارد في جلسة رشيقة. وجذعها ممتد في ارتفاع إلى الأمام في ثوب فضفاض. وصورها الرسام الفرنسي “شارل فيليب فان لو” Charles Amédée Philippe van Loo” 1719-1795″ على لوحة تفيض شاعرية سامية. فمثّلها كمن تبيع زهورها الندية في وضع يكشف عن دلال أنوثتها.


ونظّم الكاتب الفرنسي “فولتير” “Voltaire” 1694-1778 أنشودة غنائية صور فيها جمالها وولعها بالفن. فقال: “إن قلمك المقدس أحق من غيره ليرسم محاسن وجهك الفاتن، فمثل هذه اليد الجميلة لا تخطئ صياغة كل جميل مثلها”.
الانطفاء والذبول خلف بريق القصر
قال عنها المؤرخ “جول سوري” Jules August Soury” 1842-1915″ في مذكراته عنها: “.. وكانت تشتد بها العلة فتضعف ويهزل جسمها وتنطفئ نضارتها”.
أصابها مرض الصدر الخبيث في إبان عزها وسلطانها فلم يحتمل جسمها مقاومة وطأة المرض مع متعة العز وما تتطلبه الحفلات السهرة من جهد في تكلف السرور والبهجة. فبدأ جمالها يذبل وجسمها يضمر يوما بعد يوم، ولم يبق منا سوى ظل لذكرى ذاك الجمال. وكان لزامًا عليها أن تواصل انغماسها في الترف خشية أن تفقد مكانتها بجوار الملك فيستبدا بها إحدى منافساتها الكثيرات في قصره.

فلجأت إلى المساحيق والأصباغ لتكسب بشرة وجهها وجسمها النحيل نضارة المرأة الخلابة. واستعملت تزيين حاجبيها وجفنها رمادًا أزرق سماويًا أو بنفسجي اللون ليكسب نظراتها سحرها وفتنتها وجاذبيتها التي لا تخطئ الرماية في صميم الأفئدة.
فتجعل من الرجال الغلاظ أطفالا سذجا في عشقهم وولعهم بأنوثتها التي كانت تستحثها -كما قالت وصيفته “دوهاوست” في مذكراتها عنها- باستعمال مركبات من مزيج الشوكولاتة والعنبر ومختلف العقاقير.
ولكن “بومبادور” قد فشلت في تجربتها القاسية بعد أن انطفأت جذوة أنوثتها تماما، وأصابت بشرة وجهها بقعًا حمراء اللون. قال “هنري هوساي” Henry Houssaye” 1848-1911″؛ المؤرخ المسرحي الفرنسي: “بدأ ذبول جمال بومبادور يظهر على شفتيها اللتين اعتادت القضم عليهما لإخفاء اضطرابها وقلق نفسيتها الثائرة” وفي سن الثلاثين تلاشى آخر أثر لضوء تلك الابتسامة اللامعة التي امتازت بها شفتاها الرقيقتان فبدأت تصبغهما بطلاء أحمر وردي عقب كل قضمة.
الصورة الأخيرة والوداع الملكي الأخير
وكان من نصيب رسام البورتريه الفرنسي “فرانسوا هوبير درويس” 1727 ـ 1775 “François-Hubert Drouais” أن يتم آخر صورة لها في شهر يونيو عام 1763 قبيل وفاتها بما يقرب من عام. لكنها لم تكتمل كبورتيريه تذكاري إلا عام 1764 بعد وفاتها وتوجد في متحف” أورليانس” للفنون الجميلة. وكانت تبلغ من العمر 42 سنة تقريبا وهكذا استطاعت أن تترك للتاريخ مجموعة من الصور تمثلها في مختلف سنى حياتها القصيرة .
ومن المصادفة الغريبة أن تموت “بومبادور” في نفس الشهر الذي ماتت فيه ثلاث محظيات للملك من قبلها. وهن: “ديان دي بواتيه ، جابريل داستري ، ومانتينو”.

في 15 أبريل عام 1764 أطل الملك لويس الخامس عشرمن نافذة قصره؛ ليلقي نظرة الوداع على محظيته الجميلة وهي في طريقها إلى مقرها الأخير. وأشار إليها محدثًا من حوله وعلى شفتيه ابتسامة ساخرة لا تخلو من حزن وألم. وكان الثلج يتساقط بكثرة في ضاحية فيرساي: “كنت أخشى ألا تلقى المركيزة جوًا جميلا في رحلتها الأخيرة ، وهذا ما أراه”.















