المجلدات الموسوعية قصة الحضارة لويل ديورانت.. نشأة وتطور الأوساط المجتمعية

يعتبر الكتاب الموسوعي قصة الحضارة للفيلسوف البريطاني “ويل ديورانت” من أهم المراجع في فهم تاريخ الحضارة الإنسانية والأوروبية خاصةً ومسارها العام.
وقد أمضى ديورانت أكثر من خمسين عامًا في تأليف هذا الكتاب المكون من أحد عشر مجلدًا. ويستعرض فيه ديورانت تاريخ الفكر الإنساني من كونفوشيوس إلى شكسبير. ومن الإمبرطورية الرومانية إلى عهد الإصلاح في القرن السابع عشر.

الزراعة وبداية التحول 

عثر بعد وفاة ديورانت على نسخة مخطوطة تلخص الكتاب في مجلد واحد. وتُرجم الكتاب إلى العربية عام 2003. ولكنه وإن كان يبدو ملخصًا للموسوعة الأصلية، في الحقيقة ليس كذلك. بل هو برأي باحث متخصص في دراسة ديورانت “الدروس والعبر المستفادة من التراث الإنساني، وشهادة ديورانت الأخيرة على النعمة التي تمنحها بلاد العقل التي طالما أحبها وكرس معظم حياته لكشف خباياها وإبراز معالمها”.
وفي سيرة الإنسان التي تزيد على المليون سنة، لم يشتغل بالزراعة إلا قبل 25 ألف سنة، وقبل ذلك كان صيادًا مولعًا بالاكتساب والنهم. تشغله مؤونة الغذاء غير المؤكدة ويستغل غنيمته قبل أن تفسد. وكان بطبيعته تلك مشاكسًا ميالًا للقتال، ويتخذ أكثر من زوجة لمواجهة الأخطار، ولا تزال هذه الخصائص هي السمات الأساسية للإنسان من أجل البقاء.
وكانت الزراعة تحولًا كبيرًا في حياة الإنسان ولعله استغرق في ذلك قرونًا عدة من التجارب والملاحظة. وتبع ذلك أن يروض الإنسان نفسه على الإقامة المستمرة بين الجدران ليرعى مزروعاته وحيواناته. واقتضى ذلك أن يتعلم خصالًا اجتماعية كالحنان وحب الأسرة والرزانة والتعاون والعمل الجماعي، ومن هنا بدأت الحضارة.
ولكن من هنا بدأ النزاع العميق والمتواصل بين الطبيعة والحضارة، بين الغرائز العميقة المتجذرة في الإنسان إبان مرحلة الصيد الطويلة. وبين الميول الاجتماعية التي تكونت لديه على نحو ضعيف بفعل الحياة المستقرة الحديثة العهد. ولأن المستوطنة تحتاج إلى حماية كان لا بد من الاتحاد والتعاون، وصار ذلك أداة التنافس بين الجماعات.

دور المؤسسات والفلسفات

كيف تسنى غرس القواعد والمبادئ الأخلاقية المعقدة والمزعجة بنواحيها المتعددة والمتعارضة مع الطبيعة المشاكسة والنهمة؟ لقد رسخت بخمس مؤسسات هي العائلة والدين والمدرسة والقانون والرأي العام.
وتحت هذه المظلة الحامية للنظام الاجتماعي توسعت الحياة المشتركة وازدهر الأدب، وتقدمت الفلسفة. وتفتحت الفنون والعلوم، وطور الرجال والنساء لديهم روح الاعتدال والمودة والضمير والحس الجمالي.
فالحضارة هي النظام الاجتماعي الذي يحرك عجلة الإبداع الثقافي، وهكذا نشأ سجل الحضارة بدءً بكونفوشيوس. لكنه سِجل لم يجد فيه ديورانت الحضارات العربية والشرقية والإسلامية.
وتعد الحضارة الصينية هي أقدم حضارة معروفة للمؤرخين و الفلاسفة وتاريخها حي نابض بالحكمة والشعر والفن والعلم. ولا يزال تراثها قادرًا على توسيع مداركنا وتعميق إنسانيتنا. وقد ولد كونفوشيوس معلم الحضارة الصينية في القرن الخامس قبل الميلاد. لكن آثاره تحكي عن حكماء وفلاسفة سبقوه بآلاف السنين.
وتقوم فلسفة كونفوشيوس على الحفاظ على الأخلاق والنظام الاجتماعي بالتعليم. فعندما أراد الأسلاف تنظيم بلادهم وجدوا سلسلة من الشروط والحلقات المؤدية لبعضها تكون بتنظيم أسرهم. وتهذيب أنفسهم وتطهير قلوبهم والإخلاص والمعرفة والبحث عن حقائق الأشياء.
ونشأت حضارة هندية عريقة وضاربة في القدم، وأهم روادها بوذا فيلسوف الهند الذي يعلم الناس حتى اليوم التطهر والبحث عن السكينة والتأمل والزهد والتقشف. وكان المهاتما غاندي في العصر الحديث معلمًا للهند ويعده الهنود مؤسس دولتهم الحديثة. واشتهر بفكرة المقاومة السلمية للاحتلال.

عظمة الحضارة المصرية وإسهاماتها

ويعتقد بعض المؤرخين أن الحضارة المصرية هي أقدم الحضارات عهدًا وأطولها عمرًا، وقدمت إلى العالم أعظم ما على الأرض من حضارات حتى اليوم. فقد كان علم الفلك والحساب المصريين في حالة متقدمة قبل الميلاد بخمسة آلاف سنة. وظلت متواصلة على نحو مستمر حوالي أربعة آلاف سنة عندما انتهت على يد اليونانيين قبل الميلاد بثلاثمائة سنة.
وقد بنى المصريون أسطولًا تجاريًا وطوروا التجارة عبر النيل والبحر المتوسط. وتعبر الأهرام في ضخامتها وارتفاعها ودقتها الهندسية عن علم وتقنية معمارية متقدمة.
وعرفت الحضارة المصرية نظامًا إداريًا وماليًا وخدمات بريدية منتظمة، وصناعات وفنونًا متطورة كصناعة الأسلحة والدواء والحرف والمناشير ومعالجة الأخشاب والبناء والمراكب. وحفرت القنوات بين النيل والبحر الأحمر، ونقلت المسلات التي تزن آلاف الأطنان المسافات بعيدة.
وكانت النساء المصريات يتمتعن بوضعية قانونية أرفع، وبحريات أدبية واجتماعية أوسع منها في أي دولة أوروبية قبل العصر الحديث. وعرفت الحضارة المصرية ملكات خالدات جميلات مثل نفرتيتي، وحكيمات مثل حتشبسوت ومتهورات مثل كليوباترا.
الرابط المختصر :