الفن نشاط ذهني وظاهرة اجتماعية خلاّقة، متجدد بطبيعته في المعنى والمبنى ومتحرك في جوهره، هو نشاط في حالة ثوران مستمر. ناعم ومسالم، يعمل جيلًا بعد جيل على تجديد نفسه وهدم البائد. لذلك برزت الفنون الشعبية كمظهر تلقائي من منظور معاصر لتأكيد الكينونة التي تشكل الذات وفق مبادئ لها علاقة بالمكان والزمان والوجود الذاتي.
الفن الاجتماعي
من تجليات الفن الاجتماعي أنه اتخذ مسارات جديدة ومتعددة مع صعود الدولة الحديثة وتوسيع مجال الحريات والحركات الإصلاحية. وتداخل الفن مع السياسة والاقتصاد، وأنه فتح أفقًا واسعًا بين الحلم والعمل وبين الصورة والفعل. ومنح الخيال قوة عملية والواقع بعدًا تخيليًا.
فلم يعد الفن مجرد تمثيل للعالم أو تزيين له، أو استحضار لمثله العليا، بل صار فعلًا يطمح إلى تغييره وإلى إبراز الخفي فيه والمجرد والباطني الذاتي والمتعدد بما في ذلك التصادمات والصراعات والأفكار الاجتماعية المتضاربة.
تشويه المألوف من الفن
قيل إن “العالم مسرح من العبث ينقله الكاتب بفانتازيا أدبية وفنية محكمة لا تشبه الواقع حرفيًا لكنها تعيد خلقه وترسم تشكيله ضمن تجديد تصوراتها”.
لذلك ناهضت حداثة الموسيقار الروسي سترافنسكي في القرن العشرين رومانسية القرن التاسع عشر، فاستُبعد الغناء اللحني من الموسيقى تمامًا مثلما طُرد السرد من الرواية.

كان سترافنسكي يبحث عن الأصوات الحادة وإظهار أصوات غير مألوفة في الآلة ووضع جمل موسيقية جافة. ثم تعمد إحداث ضجيج عارض ومفاجئ، تمامًا كما الرواية التي لم تعد مبنية على حدث ولا حركة تشويق أو روابط غنية من الوقائع. لم يؤكد من خلالها كاتب الرواية أنه يتمتع بمقدرة أدبية يمكن أن تنبثق منها مهارته في استخراج كل المعطيات، وأن تتجسد من واسع مخيلته جميع الأفكار.
هناك من تبنى الرواية من لا حدث ولا حركة فكان كمن ينطلق في البوح والإفضاء نحو اللافضاء، أو ربما كان مجرد حدث بسيط تم البناء عليه كقطعة موسيقية مصحوبة بتيارات صوتية وتحولات غير مترابطة. وأحيانًا بفجوات رهيبة بزعم أنها تحمل رؤية جمالية خاصة، لقد سبق أن حطّم الرسام الإسباني بيكاسو الأشكال في بورتيريه لعشيقته؛ حيث لا نجد صورة امرأة واضحة الملامح. بل طبع امرأة في صورة غامضة بوجه وجسد ذات ملامح غير حقيقية.

مجالات فعالية تأثير الفن
إن سمات تفوق الأعمال الفنية والأدبية هو الابتكار الحقيقي لها؛ حيث يكون اكتشاف العالم كمسرح ضخم. وليس مجرد دائرة صراع دائم بين الخير والشر، بين النور والظلام.
وحيث يقع التأكيد على أن للفن وللمشاعر الجمالية قدرة عظيمة على تجاوز الخير والشر معًا. لذلك فللفن مجال شاسع في الجدل الثقافي؛ حيث يمثل ساحة كبيرة للتعبير عن الهوية.
ومجالًا حيويًا لتحدي الأفكار التقليدية، ومنصة لتعزيز التفاهم بين الثقافات وللتقريب بين الحضارات ومنبرًا للتوافق بين المذاهب والديانات. وهو كذلك أداة لتغيير الوعي المجتمعي؛ حيث يعمل كمرآة للواقع وكمحفز للتغيير.
يتناول الفن المثير للجدل قيم المجتمع وفضائل تقاليده، ويساعد في بناء شعور الانتماء والهوية المشتركة. كما يتجاوز الفن المثير للجدل الحدود التقليدية، ويتناول المواضيع التي قد تبدو محظورة، ويستخدم تعبيرات وصورًا صادمة لتحدي الفكر. بمعنى أن الفن المثير للجدل يشمل في جوهره الأعمال التي تثير ردود فعل قوية.




















