الغيرة عند الأطفال.. قيمة إيجابية أم ظاهرة مرضية؟

نسمع في كثير من الأحيان من يتحدث عن المعاناة من وجود الغيرة بين الأطفال، وبخاصة بين الإخوة وعن حجم ما تجلبه هذه الغيرة على الأسرة من متاعب جمة ومشاكل وخصومات والواقع أنه قد تبدو هذه الغيرة في بعض الحالات طبيعية.

وانطلاقًا من واجب الاعتراف بميل الأطفال الفطري نحو الأنانية وحب التملك والرغبة في الظهور. إلى جانب تلهفهم على إشباع حاجاتهم طالما كانت تتعلق بالتنافس نحو الخير والنجاح لأنفسهم وللآخرين، أو في التسابق نحو لفت الأنظار إليهم، أو الاستئثار بحب الأهل لهم. ومع ذلك، علينا أن نتعامل معهم بحكمة كبيرة تقتضي أولًا ألا نميز أحد الأطفال، في عمرة تلهفهم عن الآخرين إلا بمقدار ما اجتهد فيه. وكذلك لا نبالغ كثيرًا في إظهار الحب الكبير لأحد الأطفال دون سواه وأمام إخوته وعلى مرأى منهم.

 التفاوت بين الإخوة في الذكاء

وإذ لا ننكر أيضًا مقدار التفاوت بين الإخوة في الذكاء، سواء الوراثي أو الذكاء الاجتماعي المكتسب الذي عليه ستتباين قدراتهم الذاتية وإمكاناتهم الطبيعية في التكيف مع المتغيرات، ولباقتهم في الحديث ولياقتهم في التصرف. فإنه ستبرز لنا معضلة التوفيق بين مبدأ عدم التمييز بين الإخوة من جهة، وبين واجب الاعتراف بفضل المجتهد منهم وحقه في الشكر والتقدير من جهة أخرى.
والحكمة تقتضي لتحقيق أقصى درجة من التوفيق بين الأمرين، الإشادة بالمجتهد، وهذا حقه. علاوة على تلمس أسباب الإخفاق مثلًا لمن لم يسعفه الحظ أو الظروف. مع التأكيد له على أنه لو توافرت له الظروف نفسها التي واجهها المجتهد لكان هو أيضًا النجاح من نصيبه. ثم تشجيعه المستمر على إعادة المحاولة مستفيدا من أخطائه. هذا مع دوام بعث الحماسة في نفسه، بإنارة سبل التوفيق التي يكون قد غفل عنها، أو قلل من شأنها، أو تجاهلها تماما. إلى جانب عدم التردد في توجيه النصح، مع ترك هامش يعمل فيه الطفل بعقله واجتهاده.
ومن المفيد التأكيد على أن من سلامة التصرف التوضيح للطفل أن التأسي بالنماذج الناجحة لا عيب فيه. وأن التقليد فيما فيه الخير له ليس عارًا عليه هذا السلوك من جانب الوالدين لا يضع الناجح من أطفالهما على قدم المساواة مع من أصابه الإخفاق.
وفي الوقت نفسه، يقلص كثير من هامش التمييز المفضي إلى التباعد بينهم، والذي تولد فيه بذرة الغيرة المدمرة، أي التي لا تدفع للتأسي هم؛ لأن الأمر بالناجحين، أو محاولة اللحاق بهم… بل إلى تدميرهم. وهنا مكمن الخطر الداهم. حينها يتعلق بوجود خليط من الانفعالات، كالخوف والغضب والحقد والشعور بالنقص، والتي تنعكس في صورة مظاهر سلوكية مختلفة تدل على عدم التوافق الشخصي والاجتماعي عند الطفل، ومنها التبول اللاإرادي وقضم الأظافر ومص الأصابع والعصبية الشديدة والصراخ من دون سبب، وصولًا إلى درجة بروز ميل عدواني ذي بعد انتقامي.

في المدرسة

كما أن الغيرة تنشأ عند الأطفال من طبيعة معاملة الآباء لهم. وكذلك الأمر في المدرسة حين تبدو المعاملة السيئة من جانب المعلمين، خصوصًا في المراحل المبكرة من الدراسة بتفضيلهم أحدهم بالمدح وتوجيه الدم لآخر. إنها معاملة تثير غضب الطفل؛ لأنها تشعره بأنه مهزوم غير مقبول، فيزيد إحساسه بعدم الأمان. كما تهتز ثقته بنفسه وبالآخرين. والمذموم عادة يشعر بالمهانة والدونية، وهذا يؤدي به إلى الإحباط ثم الفشل الدراسي، فتنمو بداخله العداوة، والغلظة في الحديث، والجفاء في التصرف. ويمكن أن تستمر معه في كبره فتجلب له المتاعب في عيشه وعمله وحياته المستقبلية كلها.
ومن المهم جدًا إشعار الطفل بالاهتمام بشؤونه، بالاستماع إليه والتفاعل معه بإيجابية. إلى جانب توجيه العناية بغذائه وملبسه وصحته. علاوة على إظهار الحب له بالابتسام في وجهه. وكذلك التربيت برفق على كتفه، أو بمسحة رقيقة على رأسه وغير ذلك من صور التلامس الجسدي الرقيق. وأيضًا تخصيص وقت للعب معه.. فهي وسائل مهمة تبعث في نفسه السرور والطمانينة والمبادرة بتقديم ما يحب دون إفراط. كما تشعره بقيمته ومكانته في الأسرة والمدرسة وبين أقرانه بتعظيم ما ينجح فيه من أعمال، ولو كانت تافهة وصغيرة.
ومن الطبيعي ضرورة توخي الحرص على عدم الضجر من تصرفاته مهما كانت طائشة. وذلك بالاكتفاء بالتوجيه إلى السلوك الصحيح بصوت منخفض، على أن بعض الحالات يراها الآباء تتطلب شيئا من العقاب في حالة تعمد تكرار الخطأ على ألا يكون العقاب بتهديده بحرمانه من الحب والرعاية. وإنما بالتركيز فقط على أن والديه ومدرسيه يرفضون التصرف الخاطئ، وأنه سيظل محبوبا ومقبولا بحسناته. ولن تنزع سيئاته ما فطر عليه قلب الأبوين من محبته.

المنافسة الشريفة

من أصول التربية السليمة تعويد الطفل في صغره أن الحياة أخذ وعطاء. وأنه يجب على الإنسان أن يحترم حقوق الآخرين. كما يجب تعويده على المنافسة الشريفة بروح رياضية تجاه الآخرين من دون الشعور بالنقص أو عدم الثقة. وكذلك توفير أجواء أسرية ومدرسية الإقامة علاقات على أساس المساواة والعدل من دون تمييز أو تفصيل أحد على آخر، مهما كان جنسه أو سنه أو قدراته، وأنه لا تحيز في المعاملة. علاوة على تعويده على السعي بكل ما أمكنه للتفوق، وعليه أيضًا تقبل الهزيمة بشرط أن يعي جيدًا قيمة أن يعمل لتدارك إخفاقه بالمزيد من الصبر والجهد وهذه هي قيمة الإصرار.

وكثير ما تنشأ الخلافات بين الأطفال في الأسرة الواحدة، وهذا أمر طبيعي في سيرة الحياة. ومن المهم هنا توحي أقصى درجات العدل والإنصاف أثناء الفصل بينهم فيما تنازعوا فيه بالاستماع جيدا إلى كل المتخاصمين، وإعطاء كل منهم الفرصة كاملة لتوضيح رأيه والدفاع عن نفسه، لا بد من إعطاء كل ذي حق حقه. لكن في المقابل ستبرز ضرورة امتصاص حقق من خسر منهم بإعطائه شيئا لا يتوقعه ولا تكون له صلة بموضوع الخلاف بينهم، مع احتضانه. هذا إلى جانب عدم مجادلته في شكواه، بل ابتكار عمل جماعي مرح يشاركون فيه جميعا لتعزيز التوافق بينهم والانسجام. خصوصًا بين الذكور والإناث. فكثيرًا ما تنشأ بينهما مظاهر التفرقة حسب الجنس في مجال التنافس نحو اكتساب خبرات.

التربية من قلة التعلم

عملية التربية تتطلب بعض الخشونة والقوة العضلية، ولا يجوز أن تكون البنت هي الضحية في حالة فض كل شجار مع أخيها؛ بل من المفيد أن نتركها تدرك هي بنفسها. ومن خلال التجربة الفارق الطبيعي في طبيعة التكوين الجسماني الذي قد يمنحها القدرة على القيام بأعمال معينة. لكن لن يسعفها في غيرها. وبذلك تتجنب تسلل مشاعر الغيرة المرادفة في هذه الحالة للكراهية.
وفي السياق ذاته، يمكن أن تكون للغيرة بين الأطفال بعض الميزات. وذلك حين تعطي للأطفال الفرصة لتعلم بعض المهارات العملية. خصوصًا في المدارس أثناء التنافس العلمي أو الرياضي. كالتحادث ومحاولة التفاهم لحل النزاعات أو التعاون لتجاوز مشكلة معينة. هنا يكون من المفيد عدم تدخل الأسرة في فض النزاع بين الأطفال وتركهم يعتمدون على أنفسهم في ذلك حتى لا يعتمد الطفل بعد ذلك على أسرته لحل مشاكله. ولا يتعمد يومًا إثارة المشاكل من باب جذب الانتباه إليه. وعلى الأسرة التدخل فقط إذا استدعى الأمر ذلك، أي لمنع حدوث أي ضرر بدني.
إن أسلوب تجنيب الطفل البريء الإصابة بمشاعر لم يكن يعلمها، وليس مسؤولا عنها، أخف بكثير من معالجته من آثارها المدمرة بعدها. كما يجب الاعتراف بأن سوء التربية من قلة التعلم، وأن الأطفال ضحايا من أنجبوهم وفشلوا في إعدادهم للحياة. وإذا تجاوز الأمر بعض العائلات فالفرصة دائما قائمة لتصحيح الوضع بتصحيح المعاملة من أجل سعادة الأسرة والمجتمع.
الرابط المختصر :