لماذا نتفاعل بشكل أكثر حدة عندما نتفاجئ بدغدغة أحدهم لنا مما لو رأينا ذلك قادمًا، أو حاولنا دغدغة أنفسنا؟
ناقش العلماء مسألة الدغدغة لقرون، وقد أدلى كل من أرسطو في كتابه “في أجزاء الحيوانات” ، وأفلاطون في كتابه “فيلبوس“، وإيراسموس في كتابه “أداجيا“، وجاليليو في كتابه “إل ساجياتوري“، وبيكون في كتابه “سيلفا سيلفاروم“، وديكارت، وداروين بآرائهم حول لغز الدغدغة.
زعم أرسطو أن البشر وحدهم هم من يمكن دغدغتهم: “إن تأثر الإنسان بالدغدغة يعود أولًا إلى حساسية جلده، وثانيًا إلى كونه الحيوان الوحيد الذي يضحك. فالدغدغة تعني الضحك، والضحك ينتج عن حركة كما ذكرنا في منطقة الإبط.”
بالتفكير في فرضية أرسطو ونظرية ” الإنسان ذو القدرة على الضحك“ لإيزيدور الإشبيلي، قد نتساءل عما إذا كانت القطط، على سبيل المثال، تستطيع أن تشعر بالدغدغة، ولكن بطريقة مختلفة عن طريقتنا، لأنها لا تستطيع تجربة “الغرغاليسيس“، وهي الاستجابة الكلاسيكية الموجودة لدى الرئيسيات والبشر والتي تنتج ضحكًا لا إراديًا.

تفترض الأدبيات المتعلقة بهذا الموضوع أن الضحك التلقائي والإرادي ينتج عن أنظمة صوتية مختلفة. وأن الضحك التلقائي قد يشترك في سمات مع أصوات الحيوانات غير البشرية التي لا يشترك فيها الضحك الإرادي. وهو ما يبدو أنه يشير إلى طبيعة الضحك البشري التلقائي.
رد الفعل والاستجابة الجسدية
قد جرب الجميع دون استثناء بالدغدغة، لذا نعلم مدى اختلاف ردود فعل البشر تجاهها. أما الشعور بالارتعاش فهو سهل التفسير إلى حد ما. يعتقد العلماء أنه على الأرجح رد فعل دفاعي، تمامًا كما نتفاعل عندما يلامس شيء ما بشرتنا بشكل غير متوقع.
بينما لا يستطيع بعض الناس تحمل الدغدغة، هناك من يعتبرونها شعورًا ممتعًا، بل إن بعضهم يطلب أن يدغدغ. إن سبب ضحكنا أمرٌ يتحدى المنطق فالحساسية للدغدغة مزيجٌ غريبٌ من المتعة والألم، وتتداخل في هذه الآلية عوامل كثيرة لدرجة أنها تتطلب تحليلًا علميًا شاملًا ومتعدد القطاعات.

آلية استجابة الدماغ
على الرغم من التقدم المحرز في السنوات الأخيرة، لا يزال علم الأعصاب يكافح لتفسير الآلية الكامنة وراء الظاهرة. ومع ذلك، يتخذ البحث العلمي الآن نهجًا جديدًا لهذه الظاهرة، حتى أن عالم أعصاب ألماني توصل إلى منهجية بحث فريدة.
في مختبر مركز برنشتاين لعلوم الأعصاب الحاسوبية ، في المبنى رقم ستة في حرم جامعة هومبولت في برلين، يكرس شيمبي إيشياما ومايكل بريشت جزءً من وقتهما لروتين غريب.
يقضون يومهم في المختبر يجرون أحد أكثر أنواع التجارب على الحيوانات لطفًا. يقوم الباحثون بدغدغة الفئران لجمع معلومات مهمة حول المشاعر الإيجابية في أدمغة القوارض. عندما قام العلماء بدغدغة الفئران، أصدرت بعضها أصواتًا واستجابات إيجابية أخرى.
خلال جلسات الدغدغة، لاحظ الباحثين نشاط الخلايا العصبية في الطبقات العميقة من القشرة الحسية الجسدية المقابلة لجذوع الحيوانات.

علاوةً على ذلك، أدى التحفيز الدقيق لهذه المنطقة الدماغية إلى ظهور السلوك نفسه. وكما هو الحال عند البشر، يمكن للحالة المزاجية أن تؤثر على هذا النشاط العصبي. فالمواقف المثيرة للقلق تثبط إطلاق الخلايا للنبضات العصبية، وبالتالي لا يمكن دغدغة الحيوان.
يشير إيشياما إلى أنه في حين يركز الكثير من الأبحاث على آليات الدماغ الكامنة وراء المشاعر السلبية مثل الاكتئاب. إلا أن القليل معروف عن علم الأحياء العصبي للضحك أو السعادة.
إن دراسة آليات الدماغ المتعلقة بالمشاعر الإيجابية قد تساعدنا في نهاية المطاف على فهم كيفية قمعها. أو كيفية تحقيق السعادة في حالة الاكتئاب.
أبحاث حول خطأ التنبؤ واللعب الاجتماعي
في عام 2018، قام فريق من الباحثين بقيادة إيشياما بتجميع اثني عشر متطوعًا لمراقبة كيفية تفاعل أجسامهم عندما يقوم الآخرون بدغدغتهم.
جلس كل متطوع على كرسي مع كشف إبطيه وقدميه العاريتين. وتوصل العلماء إلى نظرية مفادها أن يثير الدغدغة الضجك بفضل خطأ في التنبؤ في الدماغ اللمسة غير المتوقعة تربكها، مما يؤدي إلى رد فعل أشبه بـ”هياج صغير”. أما اللمس الذاتي فهو متوقع دائمًا، لذا لا يُثير هذا الرد.
لكن مايكل بريشت يشير أيضاً إلى أنه عندما يلمس الإنسان نفسه، يرسل الدماغ إشارة إلى جميع أنحاء الجسم تثبط الإحساس باللمس. “نعتقد أن ما يحدث هو أن الدماغ لديه حيلة لكبح اللمس.”

يوضح الباحث الرئيسي، مايكل بريشت، قائلاً : “نعلم أن الأصوات، كالضحك مثلًا، مهمة جدًا في اللعب، مما يدعم فكرة وجود نوع من الإشارات التنظيمية في الدماغ تتحكم في هذا السلوك. فعلى سبيل المثال، يتحقق الأطفال من وجود ضحك عندما يلعبون ويتقاتلون. فإذا توقف رفيقهم عن الضحك، يتوقفون عن القتال.”
يقول بريخت: “نعتقد أن ما يحدث هو أن الدماغ لديه حيلة لمعرفة ذلك: بمجرد أن يلمس شخص ما نفسه، لا يتفاعل“. وإلا، كما يقول، لكنا جميعًا ندغدغ أنفسنا باستمرار في كل مرة نخدش فيها إبطنا أو أصابع أقدامنا.
أسئلة كلاسيكية حول الدغدغة
لماذا يكون الشعور باللمس أكثر دغدغة في مناطق معينة من الجسم مقارنة بمناطق أخرى؟
من المعروف أن باطن القدمين والإبطين من أكثر المناطق حساسية للدغدغة، تليها الرقبة والجانبين والمعدة والفخذ، من بين مناطق أخرى.
يشرح المؤلف كيف أن التفسير الأكثر بديهية هو تفسير فسيولوجي، والذي بموجبه تكون المناطق الأكثر حساسية للدغدغة هي تلك التي تتمتع بأعلى حساسية للمس أو الألم.

ويجادل البعض بأن الإبطين وباطن القدمين ليسا من بين المناطق ذات أعلى حدة لمسية أو ألمية، ولا تلك التي تحتوي على أعلى كثافة مستقبلات ميكانيكية جلدية (طرف الإصبع والوجه)؛ كما أن الجلد الموجود على باطن القدمين والإبطين ليس هو الأرق (مثل الجفن).
هل نستمتع بالدغدغة، وإذا لم يكن الأمر كذلك، فلماذا نضحك؟
يتضح أن بعض الأبحاث أسفرت عن نتائج متباينة، إذ تشير بعض الدراسات إلى أن الناس يستمتعون بالدغدغة ويعتبرونها تجربة ممتعة. بينما تشير تقارير أخرى إلى أن ثلث الأشخاص الذين خضعوا للاختبار فقط يستمتعون بالدغدغة. وأن معظم المشاركين في الاختبار لديهم موقف محايد تجاهها.
تظهر أبحاث أخرى أن الضحك الناتج عن الدغدغة يختلف إدراكيًا عن الضحك الناتج عن الفرح. مما يدعم فكرة أن الضحك الناتج عن الدغدغة قد يكون رد فعل لا إرادي للمس. شبيهًا بـ”البكاء أثناء تقطيع البصل”.
وقد يمثل النسخة البدائية من الضحك التي تنوعت لاحقاً خلال التطور إلى أشكال ضحك عاطفية ذات تعقيد اجتماعي. وهذا ما يفسر سبب كون الضحك الناتج عن الدغدغة على الأرجح أول محفز للضحك في الحياة، حتى في عمر 24 أسبوعًا.

لماذا لا نستطيع دغدغة أنفسنا؟
تم اقتراح فكرة الإدراك الواعي لأول مرة من قبل داروين، الذي اعتقد أننا بحاجة إلى أن نتفاجأ لنختبر الدغدغة. وبالتالي، لا يمكننا أن ندغدغ أنفسنا لأننا نعرف مسبقاً متى وأين سنشعر باللمسة.
ويمكن إيجاد التشابه مع فرضية نظرية حسابية في كل حركة إرادية نقوم بها، يستخدم دماغنا المعلومات من الإشارات الحركية للتنبؤ بالأحاسيس المتولدة ذاتيًا وقمعها. وبالتالي، عندما نلمس أو نحاول دغدغة أجسامنا، يتوقع الدماغ الأحاسيس الناتجة ويلغيها.
إذن، الإجابة الشائعة على السؤال هي أننا لا نستطيع دغدغة أنفسنا بسبب هذه الآلية التي تخفف من إدراك اللمسات الذاتية.

ومع ذلك، يشير البعض أيضًا إلى أننا بحاجة إلى مزيد من البحث فيما يتعلق باللمس المثير للدغدغة. وأن يكون إدراكها أكثر ثنائية اعتمادًا على ما إذا كان اللمس ذاتيًا أو خارجيًا (مثير مقابل غير مثير للدغدغة). على عكس إدراك الشدة، والذي يمكن أن يختلف تدريجيًا في الدرجة (أقوى مقابل أضعف).
لماذا يكون بعض الناس شديدي الحساسية للدغدغة بينما يكون آخرون غير متجاوبين؟
يمكننا جميعًا أن نتفق على أن إدراك الدغدغة يختلف بين الأفراد، وأن الأطفال أكثر حساسية للدغدغة من البالغين.
وقد ارتبطت حساسية الدغدغة بتعلم الدفاع عن النفس لدى الرضع. فهي تعد وسيلة لتدريب الصغار على حماية المناطق الحساسة من الجسم، مثل الإبطين والرقبة والفخذ، أثناء محاكاة القتال.
تشير الأبحاث السابقة إلى أنه عند تلقي نفس التحفيز اللمسي الآلي، كان ثلث المشاركين غير مستجيبين. وكان الثلث الآخر مستجيبين بقوة ويرجع ذلك إلى عوامل عديدة.

والتجربة اللمسية البشرية هي مسألة مزيج معقد من العوامل، بدءً من العوامل الوراثية والفسيولوجية التي تشبه السمات الشخصية وصولًا إلى الحالات النفسية والمعرفية العابرة.
تحتاج هذه الظاهرة إلى المزيد من التجارب حول هذا الموضوع وتصميم بحث أفضل للوصول إلى نظرية أكثر شمولًا. تقدم إجابات نهائية لجميع هذه الأسئلة.
توضح هذه الدراسات كيف أن الدغدغة ربما تكون شكلًا معقدًا من أشكال الاستجابة الانعكاسية الفسيولوجية التلقائية منخفضة المستوى والتي تثير مجموعة متنوعة من ردود الفعل، بعضها ممتع وبعضها غير ممتع.
لكن، على الرغم من كل التكهنات حول هذا الموضوع منذ أن نظر أرسطو لأول مرة في هذه الظاهرة، لا يزال هناك طريق طويل أمامنا حتى نفهم تمامًا هذا الجانب الغامض من السلوك البشري.
















