كشفت دراسات حديثة أن استخدام التكنولوجيا قد يحمل فوائد مهمة لكبار السن، تتجاوز مجرد تسهيل الحياة اليومية؛ إذ أظهرت النتائج أن التعامل المنتظم مع الهواتف الذكية وأجهزة الحاسوب والإنترنت قد يسهم في الحفاظ على القدرات العقلية، ويقلل من احتمالات الإصابة بضعف الذاكرة والخرف مع التقدم في العمر.
وتتعارض هذه النتائج مع الصورة الشائعة التي تربط التكنولوجيا غالبًا بآثار سلبية على الصحة العقلية. حيث تشير الأبحاث إلى أن كبار السن قد يكونون من أكثر الفئات استفادة من التطور الرقمي. ذلك بفضل ما توفره الأجهزة الذكية من فرص مستمرة لتنشيط الدماغ.
التكنولوجيا كتمرين يومي للعقل
وأوضحت الدراسات أن استخدام الأجهزة الرقمية بشكل يومي يفرض على المستخدمين مجموعة من التحديات الذهنية، مثل تعلم تحديثات البرامج، واكتشاف خصائص جديدة، والتعامل مع المشكلات التقنية البسيطة. وهي مهام تتطلب التفكير والتحليل واتخاذ القرار. ما يحفز المناطق المسؤولة عن التركيز والذاكرة وحل المشكلات في الدماغ.
ويرى الباحثون أن هذه الأنشطة تؤدي دورًا مشابهًا للتمارين الذهنية التي ينصح بها المختصون للحفاظ على صحة الدماغ. إلا أنها تتم بصورة طبيعية أثناء ممارسة الأنشطة اليومية دون الحاجة إلى برامج تدريبية مخصصة.
وتعزز إحدى التجارب الواقعية هذه النتائج. إذ روت سيدة تجاوزت السابعة والستين من عمرها رحلتها مع التكنولوجيا، بدءًا من استخدام الآلة الكاتبة، مرورًا بالحواسيب التقليدية، وصولًا إلى الهواتف الذكية. وتعمل اليوم مدربة في مؤسسة اجتماعية تعنى بكبار السن. وأكدت أن التكنولوجيا ساعدتها على مواكبة المستجدات، والحفاظ على نشاطها الذهني. إلى جانب تعزيز تواصلها مع الآخرين.

تعزيز العلاقات الاجتماعية ودعم الذاكرة
وبحسب “elbadilabc” لم تقتصر فوائد التكنولوجيا على تنشيط القدرات العقلية. بل امتدت أيضًا إلى تعزيز التواصل الاجتماعي. إذ تتيح تطبيقات الاتصال ومنصات التواصل لكبار السن فرصة البقاء على اتصال دائم بالعائلة والأصدقاء. ما يحد من الشعور بالعزلة، الذي يعد أحد العوامل المرتبطة بتراجع الوظائف الإدراكية.
كما توفر الأجهزة الذكية تطبيقات تساعد على تنظيم المواعيد، وإرسال التنبيهات، وتذكير المستخدم بالمهام والأحداث المهمة. ما يمثل دعمًا عمليًا للذاكرة، خاصة في الحياة اليومية.
وشملت إحدى الدراسات أكثر من 400 ألف شخص تجاوزوا سن الخمسين. كما أظهرت أن مستخدمي الأجهزة الرقمية سجلوا أداءً أفضل في اختبارات الإدراك مقارنة بمن يقل استخدامهم للتكنولوجيا أو لا يستخدمونها على الإطلاق. كما خلصت مراجعة للأبحاث إلى أن نحو 90% من الدراسات التي تناولت هذا المجال رصدت تأثيرًا إيجابيًا للتكنولوجيا في الحفاظ على القدرات المعرفية لدى كبار السن.
فوائد تتطلب استخدامًا واعيًا
ورغم النتائج الإيجابية، يؤكد الخبراء أن تحقيق الاستفادة القصوى من التكنولوجيا يتطلب استخدامها بصورة متوازنة وآمنة. إذ قد يتعرض كبار السن لمخاطر مثل عمليات الاحتيال الإلكتروني أو المعلومات المضللة إذا لم تتوافر لديهم المعرفة الكافية بأساليب الاستخدام الآمن.
لذلك، يشدد المختصون على أهمية نشر الوعي الرقمي، وتقديم برامج تدريبية تساعد كبار السن على استخدام الأجهزة والتطبيقات بثقة. علاوة على تجنب الإفراط في قضاء ساعات طويلة أمام الشاشات.
تأثير يختلف باختلاف الفئة العمرية
ويرى الأطباء أن تأثير التكنولوجيا يختلف بين كبار السن والأطفال أو المراهقين. فبينما لا تزال أدمغة الصغار في مرحلة النمو والتكوين، يمكن أن تمثل التكنولوجيا بالنسبة لكبار السن وسيلة فعالة لتحفيز الذاكرة وتنشيط الوظائف العقلية. بما يشبه التمارين التي توصي بها المراكز الصحية المتخصصة.
وفي الوقت الذي تتواصل فيه الأبحاث لدراسة تأثير الاستخدام طويل الأمد للتكنولوجيا على الأجيال التي نشأت في العصر الرقمي، تبدو المؤشرات الحالية واعدة. إذ تحولت الأجهزة الذكية بالنسبة لكثير من كبار السن من مجرد أدوات تقنية إلى وسيلة تدعم النشاط الذهني، وتعزز جودة الحياة. كما تسهم في الحفاظ على حيوية العقل مع التقدم في العمر.


















