تعود علاقة الإنسان بالكلمة إلى صرخته الأولى التي أرسلها من وجوده الأول في هذا الكون، ومنها يأتي ارتباطه الأبدي والوثيق بالكلمة. لكن ارتباطه هذا بالكلمة لم يمنع من ظهور وسائل أخرى ظل الإنسان عبر مسيرته في حاجة إليها. فكانت الصورة هي ذاك التعبير الآخر الذي لجأ إليه الإنسان ليؤكد تواصله مع الأشياء. ومن هنا ظهرت الصورة على صخور وجدران الكهوف قديما لتعبر عن طبيعة حياة الإنسان.
لقد كانت الكلمة منذ العصور القديمة وسيلة الشاعر التي يفهم من خلالها خلجات نفسه ويعبر عن مظاهر الحياة. وإذا كانت اللغة هي حاملة المعنى ومنها يتفرع الأدب. فحين احتاج الإنسان لتعميق وجوده أكثر استعان بالصورة لينقل من خلالها ما عجز عن إيضاحه بالكلمة.
الأدب والسينما وسيلتا تبليغ
بدأت العلاقة بين الأدب والسينما منذ زمن طويل، حاولت فيه السينما أن تستفيد من هذا الشكل التعبيري لتفرغه في قوالبها بصفته شكلًا تعبيريًا لا يقل أهمية عن النص الأدبي. حين شاع انتشار آلة التصوير تعددت الأفلام المأخوذة عن الروايات الحديثة، فصارت كل دولة منتجة للأفلام بلغت فيها الصناعة السينمائية شأنًا كبيرًا تعتمد أدبها موردًا لأفلامها، وعليه أصبحت العلاقة بينهما وثيقة من حيث إنهما وسيلتا تبليغ تعنيان كل من القارئ في الأدب والمشاهد في السينما.
الرواية أساس السينما
الثابت والمؤكد أن الأدب بدون قرّاء موات، لا يضر ولا ينفع، القارئ هو من يعطيه الحياة وينعش فعاليته. وكذلك العمل الفني السينمائي بلا مشاهد لا يعدو أن يكون شريطًا بلاستيكيًا. وتبعًا لهذا الارتباط بيم الأدب والسينما توطدت العلاقة بينهما. هذه العلاقة الي جعلت الرواية أداة السينما الأولى بسبب قربها من ذلك الفن وليس لفرط سهولتها.
هذه العلاقة الوثيقة هي التي جعلت الأدباء والسينمائيين يرون في النص الأدبي رافدًا مهمًا. يمنح السينما مزيدًا من اتساع رؤيتها واقتحام آفاق جديدة بشموليتها.
ولعل التماثل الظاهري بين الفيلم والرواية من حيث مسار كل منهما وسرد سلسلة أحداث تتوالى وفق تعاقب زمني خطي. حث السينما على نقل أعمال أدبية إلى الشاشة.
وهكذا اعترف الكثير من الأدباء بأهمية تحويل النصوص الأدبية إلى السينما. حيث تتجلى فيه إمكانيات تكشف أبعاده الخفية مع الإضافات الممكنة عليه من عقول فريق السينما. وقد يحدث أن يتعرض النص لتحريف أو تشويه، لكن بالنقل الأمين المبدع يتخذ العمل القصصي الروائي أبعادًا وحضورًا متعدد الجوانب.
إن أفضل الأفلام هي التي أُعدّت عن أعمال أدبية لتوفرها على حركة فعلية هي أساس اللغة السينمائية. لأن الأعمال الأدبية المتسمة بحركة ظاهرة وعمق فكري يفقد الكثير من قيمته عند نقله إلى السينما فليست كل الأعمال الأدبية صالحة للسينما. وتبقى متعة مطالعة الكتاب قائمة وقد لا تعوضها متعة متابعته لفيلم في السينما.
أفلمة النصوص الأدبية
الكثير من الأعمال الأدبية لا يمكن تحويلها إلى السينما، غير أن هناك نقطة يمكن أن تقود السينمائي إلى عمل ما لتحويل النص الأدبي إلى فيلم وهي أن بعض المخرجين وكتّاب السيناريو يأخذون حدثًا معينًا من رواية وينسجون على أساسه قصة سينمائية جديدة وجيدة، أو يعيدون كتابة الرواية لتصبح ملائمة للسينما.
وانطلاقًا من هذه النقطة تصبح “أفلمة” كل نص أدبي عملية ممكنة، ولكنه يكون معبرًا عن وجهة نظر السينمائي دون وجهة نظر المؤلف / الروائي والروائيون في الحقيقة يطمحون عادة إلى تحويل كامل أعمالهم إلى السينما بدل التصرف فيها حسب رغبة المخرجين، ولعل هذا ما يحيل العلاقة بين الكاتب والمخرج إلى حالة الانفصام، فكل منهما يتعقد أنه مصيب، والمخرج يعتقد أن الكاتب يعرقل عمله أكثر مما يساعده، زاعمًا أنه لا يدرك حقيقة فنيات العمل السينمائي.
ومن ثمة فكل ما يحاول حذفه يعارضه المؤلف، وعدم التوافق هذا بين المؤلف والسينمائي هو ما يدفع عادة لفشل الأعمال السينمائية المستوحاة من أعمال أدبية، لأن الأدباء يرفضون إفراغ العمل ألأدبي من محتواه عند تحويله إلى السينما، برغم إيمان الكثيرين منهم بأهمية السينما كوسيلة لانتشار العمل الأدبي ووصوله لأكبر عدد من المهتمين، بينما لا يُخفي أدباء كثيرون خوفهم من نقل أعمالهم الروائية إلى أعمال سينمائية مدّعين أن المخرجين والممثلين يمسخون أعمالهم / وهذا برغم تأكيد بعضهم أن العمل السينمائي لو تم أخذه عن رواية أمر، والرواية في حد ذاتها أمر آخر.
طبيعة الارتباط بين الأدب والسينما
إن المتلقي للنص المكتوب غير المتلقي المشاهد للعمل الفني على الشاشة ، وإن ما يحدثه النص ليس ما يحدثه الفيلم. وإذا كان النص الأدبي يوظف لغة في علاقته مع القارئ فإن للسينما أيضًا ما توظفه. فتخلق ما يظهر على الشاشة من خلال صورة الإنسان نفسه حين تسبح روحه في حركات الجسد “الرقص” فالسينما توظف وسائلها من حركة وغيرها لتستبدل الكلمة التي يوظفها الكاتب في نصه.
ففي السينما كل شيء حقيقي، والعملية السينمائية معقدة صعبة تتطلب رابطا بين الكاتب والمخرج والممثلين. لذلك فبين الأدب والسينما علاقة وثيقة ولا يمكن لأحدهما أن يستمر دون الآخر.
يحتاج المخرج السينمائي إلى فهم هذه العلاقة الدقيقة بين السينما والأدب ليتسنى له تحويل العمل الأدبي من اللغة التي يستعملها الكاتب بكلمات تتتابع وتتسلسل إلى لغة سينمائية تعتمد على الصورة والحركة تمثل رسالة تظهر منذ النظرة الأولى إليها، فالصورة تمتلك القدرة على نقل دلالتها مباشرة على عكس الكلمة، ومن هنا كانت الصورة أقوى تأثيرا من الكلمة المكتوبة، والمتلقي لا يستطيع مقاومة تأثيرها.



















