الإخوة بربروس.. فرسان الجهاد في البحر المتوسط

لم ينته الجهاد الإسلامي بنهاية توسعات الدولة الإسلامية، بل تحكي لنا القرون عن أخوان مجاهدين امتطا طريق الشهادة وحملا فوانيس الجهاد. أخوان لم تكن الصحراء ميدان معاركهم بل اختاروا البحر ميدانًا لرسالتهم.

بداية جهاد الأخوين بربروس في البحر المتوسط

كان الأخوان “عروج وخير الدين بربروس” من فرسان الجهاد البحري الإسلامي، اقترن اسمهما بالبطولة والثبات لإرساء كلمة الحق. هما ابنان لـ “يعقوب بن يوسف” ينحدر من أصول تركية مسلمة كانت لها يد بيضاء في حروب الفاتحين المسلمين. مستوطنة بعد ذلك جزيرة تسمى “مدللي” في عرض البحر الأبيض المتوسط.

أمهما سيدة فاضلة تنحدر من أصول عائلة أندلسية مسلمة تمثل فضلها في حسن تربيتها لأولادها. أنشأتهم على حب الإسلام والجهاد وهو ما بقي مغروسًا في نفوسهم وكان له الأثر البالغ على مسيرة حياتهم.

بدأت مسيرة الأخوين منذ الصغر، عندما وُجِه نشاطهما الحربي ضد الأساطيل المسيحية التي كانت تحاول سحق الأقلية المسلمة في محيط الأندلس.

وحقق الأخوان بذلك إنتصارات كبيرة جعلت لهما صيتًا ومكانًا بين النفوس، الأمر الذي أدى بسلطان الحفصيين إلى منحهما حق الإقامة بجزيرة جربة التونسية. بعد مهاجمتها من طرف الإسبان وخضوعها لهم بالقوة. لكن استنجاد الأهالي بالأخوين بربروس كان له دعم نفسي ومعنوي كبير. أدى فيما بعد إلى وصول الأخوين إلى توحيد البلاد الإسلامية في الشمال الأفريقي.

عانت فيما قبل من حكم ملوك الطوائف. ما أدى إلى تشتت القوى واستفحال الفساد. ظهر ذلك في تحرير الأخوين لبجاية سنة 918هـ من يد الأسبان لتكون هنالك الانطلاقة نحو إنقاذ المسلمين من أيدي الصليبيين.

استشهاد عروج بربروس واستمرار جهاد خير الدين في الجزائر

وتأتي بعد ذلك معركة تحرير ميناء جيجل سنة 920هـ التي كانت سببًا في تحالف الأخوين مع القوى العثمانية. التي شكلت دعمًا ماديًا وعسكريًا مهمًا في مسيرة الأخوين. وذلك بعد أن أدرك الأخوان قوة العدو وحداثة وسائلة الحربية التي تزحف نحو الخليج العربي. مهددةً بذلك الدولة العثمانية بشكل مباشر.

فاتجها نحو الغرب حيث يوجد الإسبان بمدينة تلمسان ذات الموقع الإستراتيجي، استشهد أحد الأخوين وهو عروج. رفقة أخ ثالث لهما اسمه إسحاق بمعية عدد كبير من الرجال بعد تعاون القوى الإسبانية مع بني حمود الخونة لم تكن هذه الحادثة نهاية المشوار.

بل كانت بداية مسيرة جديدة خاضها خير الدين لوحده وفاء بعهده لله ألا وهو الجهاد في سبيله. طلب أهل الجزائر من خير الدين البقاء بينهم. ورفعوا رسالةً إلى سليمان الأول بأن يعينه قائدًا لهم وهو ما كان بالفعل.

ودعمته مجموعة من الفرق الإنكشارية والمجاهدين وانطلق الجهاد مباشرة تحت إمرة القائد خير الدين بربروس. بتطهير السواحل الجزائرية من الوجود الإسباني. والقضاء على أسطوله سنة 936هـ ليبدأ بعدها خير الدين جهادًا داخليًا تمثل في تطهير الدولة من بقايا الخونة والعملاء.

قائد الأسطول العثماني وسيد البحر المتوسط

كانت البداية بضم تونس لسيادة الدولة العثمانية. ما أدى إلى قرار حاكمها واستجارته بالإمبراطور شار. وفي المقابل حشدت القوى الصليبية كل قواتها التي لم تصمد أمامها سفن أسطول خير الدين كثيرًا. فما كان منه إلا الانسحاب على مضض ليرد بعدها الصفعة صفعتين من خلال هجوم خير الدين على جزر البليار الإسبانية والبرتغالية التي غنم منها ذهبًا وفضة عدا السبايا والعبيد الذين بيعوا بأبخس الأثمان هذا الحدث كانت له نتائج كبيرة على أوجه متعددة.

فقد رفع السلطان العثماني سليمان الأول مكانة القائد خير الدين بربروس، بتعيينه قائدًا عامًا على الأسطول العثماني في جميع مهامه الجهادية والحربية. إلى جانب الأثر النفسي الكبير الذي خلفه خير الدين في نفوس العدو. إذ أصبحت تنسب إليه جميع الكوارث التي تحل بهم وبأرضهم.

لم يتوان خير الدين بربروس لحظة في أن يكون شوكة في حلق أعداء الله، ولم يغمد سيفه يومًا في سبيله. مسيرة رجل عظيم ومجاهد أعظم، رسخت أمجادها على صفحات أمواج البحر الأبيض المتوسط لم تنته إلا بوفاته سنة 953هـ.

الرابط المختصر :