الإفراط في السلوك الاستهلاكي أصبح من سمات وقتنا المعاصر، وعلى الرغم من أن الاستهلاك ضرورة اقتضتها تلبية احتياجات الإنسان المعيشية. فإن انحراف مسار هذا السلوك عن معدلاته الطبيعية وعن إطار مهمته الأساسية يحوله إلى نمط استهلاك كمالي يترجم علة النفس. وإنفاق تفاخري يعكس مركبات النقص الفردي والعائلي.
وهو من جهة قد يكون سلوكًا إيجابيًا، بل ودواء ناجعًا في المجتمعات المتقدمة. لأنه يعد محفزًا لزيادة الانتاج ودافعًا للتنافس نحو الإبداع في جودته. ومشجعًا على المزيد من تنوعه. وهو بذلك يفتح المجال واسعًا لزيادة فرص الاستثمار. وتحريك عجلة الاقتصاد، والمساهمة التلقائية في دفع جهود التنمية وتحقيق تقدم المجتمع.
الاستهلاك داء و دواء
ولكنه من جهة أخرى نراه على النقيض من ذلك خاصة في المجتمعات السائرة في طريق النمو والدول المتخلفة. وكلتاهما يتقاسمان تواضع مستوى الوعي الاجتماعي وغياب الالتزام الوطني. حيث يتحول الاستهلاك إلى داء عضال؛ لأنه يؤدي بشكل مباشر على ترسيخ مشكلات اجتماعية وتوترات مجتمعية. من خلال زيادة مستويات الفقر وارتفاع المديونية. وضياع مدخرات المواطنين وهدر الموارد في الإدمان الاستهلاكي المزمن الذي لا علاج منه. ولا فكاك إلا بتنظيم حملات واسعة ومستمرة في إطار جهود وطنية متكاملة لتعميق الوعي.
مسببات استفحال داء الاستهلاك
المبالغة في الاستهلاك أدى إلى تكديس السلع الغذائية وغيرها بكميات كبيرة، وهذا في وجود ثقافة مجتمعية تشجع على هذا السلوك حتى وإن لم تكن هناك حاجة قصوى إليها. ولكنها مع ذلك تشبع فراغًا نفسيًا وأحيانًا عاطفيًا كشأن النساء.
ويعود انتشار هذا السلوك في مجتمعاتنا إلى ظاهرة العولمة والغزو الثقافي الغربي الذي حمل أنماطًا سلوكية مستفزة. وعلى ربحية الشركات الأجنبية والمتعددة الجنسيات والتهافت على الفائدة العائدة عليها من وراء التسابق نحو تلبية مطلوبات المجتمع الاستهلاكي أسير التفاخر والتباهي. خاصة في شهر رمضان الذي كشف عن أن استهلاك الأسر العربية للمواد الغذائية يفوق استهلاك أي أسرة أخرى في العالم.
وأبان عن أنه برغم القوة الشرائية الضخمة وحجم الأموال المخصصة في شراء الطعام ،فإن 45% منه يلقى في صناديق القمامة خاصة في الشهر الفضيل. الذي جعلت إحدى حكم فرض صومه الإحساس بألم الفقراء والجوعى من خلال تذوق قسوة الجوع وتعميق الوعي بضرورة الاقتصاد في إشباعه. فراح الصائمون يتصرفون عكس الحكمة تمامًا، وبات رمضان شهرا للإسراف الطعامي وإشباع الشهوات الغذائية على نحو ضيع المغزى الحقيقي منه.
نتائج الاستهلاك البذخي
لقد انتشرت ظاهرة الإنفاق الكمالي فيما يعرف بنمط الحياة العصرية وهي مجموعة الأساليب والممارسات الحياتية من وسائل تقنية ومقتنيات تكنولوجية وتجهيزات منزلية عصرية ينفق فيها أموال طائلة. ويتم عرضها بشكل ترفي لا يستنزف المدخول فقط بل ويغرق في الديون. وقد باتت قروض المناسبات الاجتماعية إحدى أنجح الاستثمارات في الوطن العربي سواء كانت على المستوى البنكي أو الفردي. لقد انعكس أثر الاستهلاك الكمالي البذخي في:
- تفاقم المشكلات الاقتصادية والاجتماعي في مجتمعاتنا.
- تضاعف حجم الديون الخارجية القائمة في ذمة دول الشرق الأوسط وشمال لإفريقيا وكذا ارتفاع مدفوعات خدمة الدين.
- معاناة معظم الدول العربية تدني مستويات المعيشة من خلال انخفاض خط الفقر دون المقدر بـ 1.25 دولار/ يوم
- تزايد حجم واردات السلع الغذائية الرئيسية على حساب مخصصات مستلزمات الانتاج ودعم الجهود الإنمائية.
- اتساع حجم الفجوة الغذائية العربية للمجموعات السلعية الرئيسية بسبب أوجه قصور شابت جهود التنمية الزراعية.
- هدر الموارد المستمر وتزايده في مقابل استحواذ القلة على غالبية الموارد في العالم وترك الغالبية يعانون من فقدها فزادت معدلات الاستهلاك الشره للكماليات على حساب توفير الاحتياجات الأساسية للأفراد والمجتمع.
سبل معالجة الشره الاستهلاكي
الاستهلاك المفرط وغير الرشيد في مجتمعاتنا العربية داء لا سبيل أمامنا سوى القرار بمعضلته والاعتراف بما يساهم بشكل مباشر في تناميه وهو المحتوى الثقافي للفرد وبقيم المجتمع الذي يعيش فيه الذي لا يجد غضاضة في تبرير هذا السلوك بل ويجيزه ويشجع عليه. ثم يجعله نموذجًا أمثل وعلى أساسه يتم تقييم الفرد وعلى ضوئه يحدد مستواه المعيشي المرتبط بطبيعة الحال بمكانته الاجتماعية وبدرجة قبوله المجتمعي، ومعالجة داء الشره الاستهلاكي.
علاوة على ذلك، يبدأ بالعمل على تدارك سوء المحتوي الثقافي للفرد وتخلف المفاهيم المجتمعية الذي لا يبرر تنامي الظاهرة فقط بل يجيزها ويشجع عليها. ويجعلها النموذج الأمثل الذي على أساسه يجري خطأ التقييم الشخصي للفرد. وعلى ضوئه يتم تحديد مستواه الاجتماعي ودرجة قبوله المجتمع، وهذا المحتوى الثقافي في مجتمعاتنا العربية يتغذى من رافدين وعليه.
علاج الشره الاستهلاكي
فالمعالجة الناجعة لهذا الداء العضال تتم على مستويين:
معالجة رافد الثقافة المتأثرة بالعولمة وما تفرضه من أنماط حياتية وأساليب للعيش وللرقي. أي تعديل مستوى الاتجاهات المجتمعية الخاطئة الناتجة عن ثقافة استهلاكية مدسوسة.
ومستوى آخر يعالج المفاهيم الثقافية وما قد ترسخ في العقل نتيجة التنشئة على أنماط سلوك مجتمعية وممارسات أسرية. وتأثيرات القدوة التي رسخت في مجموعها للنموذج والمثال الذي يجب أن يتبع ويقتدى به. بالإضافة إلى ذلك يمكن علاج هذين المستويين برؤية شاملة ومعالجة مدروسة وبمشاركة جهود العديد من المؤسسات. والتي من أهمها الأسرة التي تستطيع أن تزرع الاعتدال في الاستهلاك. وتقدير الموارد واستغلالها على النحو الأمثل. وعدم الانزلاق في هوة الاستهلاك البذخي كذلك الفخ التفاخري.




















