تحتضن منطقة عسير واحدة من أبرز الثروات الأثرية في المملكة العربية السعودية؛ إذ تزخر بمواقع تاريخية ومكتشفات تعود إلى عصور ما قبل التاريخ، إلى جانب قرى تراثية وقلاع ومساجد ونقوش صخرية تعكس تعاقب الحضارات التي استوطنت المنطقة عبر آلاف السنين.
وتكشف هذه المواقع عن المكانة التاريخية لعسير، التي شكلت نقطة عبور مهمة على طرق التجارة القديمة، وأسهم موقعها الجغرافي وتضاريسها المتنوعة في احتضان إرث حضاري غني ما تزال شواهده قائمة حتى اليوم.
التكوين الجيولوجي.. أساس التنوع الأثري
وتشكل منطقة عسير جزءًا من الدرع العربي، الذي يضم صخورًا تعود إلى عصر ما قبل الكمبري، وتتنوع بين الصخور النارية والمتحولة والرسوبية، مثل الجرانيت والبازلت والكوارتز والشست.
كما تضم المنطقة جزءًا من سلسلة جبال السروات، التي تتوجها قمة جبل السودة، أعلى قمم المملكة. ذلك بارتفاع يزيد على ثلاثة آلاف متر فوق سطح البحر.
ويمتد الدرع العربي غربًا نحو ساحل تهامة، وتتخلله أودية رئيسية، من أبرزها وادي بيش ووادي حلي ووادي عتود ووادي بيشة ووادي تثليث. فيما تشغل هضبة عسير أجزاءها الشمالية الشرقية، بينما تمتد أطراف صحراء الربع الخالي في جنوبها الشرقي.
أدوات حجرية توثق بدايات الاستيطان
وكشفت أعمال المسح والتنقيب الأثري عن العثور على أدوات حجرية متنوعة في عدد من مواقع عسير، تعود إلى العصر الأشولي والعصر الحجري الحديث، من بينها مكاشط وفؤوس يدوية وسواطير وأدوات ثنائية الوجه ورقائق حجرية. إضافة إلى أدوات مصنوعة من الصوان والكوارتز والزجاج البركاني.
وتركزت هذه الاكتشافات في مواقع عدة، أبرزها وادي تثليث وظهران الجنوب ومنطقة القرحا الجبلية. كما عثر في موقع جرش الأثري على أنماط متعددة من الفخار ومصنوعات من الحجر الصابوني وقطع زجاجية تعكس تطور النشاط الإنساني في المنطقة.
وتضم منطقة وادي واض جنوب شرقي محافظة أحد رفيدة بقايا معمارية ودوائر حجرية كبيرة يرجح أنها تعود إلى مساكن من العصر الحجري الحديث، إلى جانب كميات كبيرة من الكسر الفخارية، بينما شهد موقع المربع اكتشاف أدوات حجرية ترجع إلى العصر الأشولي، إضافة إلى مواقع أخرى مثل وادي العجمة وشعبة الهرير وبنو هيف والصفق.

قرى ومدافن أثرية تعكس أنماط الحياة القديمة
وبحسب “سعوديبيديا” تنتشر في عسير مواقع أثرية تضم منشآت حجرية ومدافن تعود إلى فترات تاريخية مختلفة، من أبرزها موقع العسران جنوب خميس مشيط، الذي يضم أكثر من ثلاثين منشأة دائرية ومقابر ركامية شيدت بأساليب معمارية دقيقة.
كما كشفت الاكتشافات في وادي ترج بمحافظة النماص عن مجموعات من المدافن الحجرية المستطيلة، بعضها يتكون من طابقين. إلى جانب مقابر منحوتة في الصخور ومغطاة بألواح حجرية.
وتحتفظ المنطقة أيضًا بعدد من القرى الواقعة على طرق التجارة القديمة، التي استمر بعضها مأهولًا خلال العصر الإسلامي. ومن أشهرها موقع جرش الأثري بمحافظة أحد رفيدة، إلى جانب مواقع برك الغماد وضنكان وبيشة، التي تضم آثارًا لأسواق قديمة ومناجم وبرك تاريخية.
مساجد تاريخية تروي بدايات العمارة الإسلامية
تزخر عسير بعدد من المساجد الأثرية التي تعود إلى فترات مبكرة من التاريخ الإسلامي، من أبرزها مسجد الثويلة في ظهران الجنوب، ومسجد قرية صدر إيد بمحافظة النماص، الذي يضم محرابًا يعود تاريخه إلى عام 170هـ.
كما تضم المنطقة مسجد العاسرة في بني عمرو، المشيد عام 190هـ. إضافة إلى عدد من المساجد التاريخية في آل السحامي والحرجة القديمة، التي تتميز بزخارفها الإسلامية وكتاباتها الجصية المنفذة بأساليب فنية تعكس تطور العمارة الإسلامية في المنطقة.
نقوش صخرية تؤرخ للحضارات القديمة
وتعد الرسوم والنقوش الصخرية من أبرز الشواهد الأثرية في عسير. حيث وثقت حياة الإنسان منذ آلاف السنين، وتنوعت بين كتابات ورسوم آدمية وحيوانية ونقوش بالخط السبئي.
ومن أشهر هذه المواقع نقش جبل مريغان في وادي تثليث، الذي يوثق حملة أبرهة الحبشي ضد قبيلتي معد وبني عامر. على على نقوش ظهران الجنوب وجبل العش وجبل عيمة، ورسوم صخرية في بني رزام وتبالة تصور حيوانات مثل الغزلان والخراف.
قلاع وحصون وقصور شاهدة على تاريخ المنطقة
وتضم عسير مجموعة كبيرة من الحصون والقلاع التاريخية التي تعكس الطراز المعماري التقليدي في جنوب المملكة. حيث تنتشر الحصون الحجرية في زمرة ووادي عيا وأبها وخميس مشيط والنماص ورجال ألمع، ويتجاوز ارتفاع بعضها خمسة طوابق.
كما كشفت مواقع أثرية عدة، مثل البغبغ وشمسان والمخمسة وجبل بجاد وجبل عرفا، عن مدافن حجرية وأساسات مبانٍ ودوائر حجرية يعود تاريخها إلى الألفين الثالث والثاني قبل الميلاد. إضافة إلى مكتشفات فخارية وأدوات حجرية تؤكد قِدم الاستيطان البشري في المنطقة.
ويبرز قصر شدا في مدينة أبها كأحد أهم المعالم التاريخية. إذ أنشئ عام 1348هـ (1929م) بتوجيه من الملك المؤسس عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود، واستخدم مقرًا لإمارة عسير قبل أن يتحول لاحقًا إلى متحف للمأثورات الشعبية، ويتميز بتصميمه الحجري التقليدي المكون من أربعة طوابق.
كما تعد قلعة شمسان من أبرز الحصون التاريخية في أبها. إذ شيدت بين عامي 1331هـ و1337هـ، وتضم ثلاثة أبراج للمراقبة. ما يعكس أهميتها الدفاعية في تلك الفترة.
رجال ألمع.. قرية تراثية تحفظ هوية عسير
وتمثل قرية رجال ألمع التراثية واحدة من أبرز الوجهات التاريخية في المنطقة، وتقع غرب مدينة أبها. وتضم مجموعة متلاصقة من المباني الحجرية متعددة الطوابق، التي يتراوح ارتفاعها بين ثلاثة وسبعة أدوار.
وتضم القرية عددًا من الحصون التاريخية. علاوة على مسجد أثري وملحق مخصص لاستقبال الحجاج والزوار. فيما تمتاز شوارعها الضيقة وساحاتها الواسعة بطابع عمراني يعكس هوية المنطقة وتراثها المعماري، لتبقى رجال ألمع شاهدًا حيًا على تاريخ عسير ومكانتها الحضارية عبر العصور.


















