في سجلات الإنجازات العربية، تبرز أسماء لم تصنعها الظروف المواتية، بل نحتتها الإرادة في صخر المستحيل. ويأتي المهندس والمبتكر السعودي مهند أبو دية، كأحد أسطع هذه الأسماء؛ إذ لم يكتفِ بكونه مخترعًا غير وجه التقنية. بل أصبح رمزًا حيًا للقدرة على تحويل المأساة إلى وقود للنجاح.
نقطة التحول.. حين ينكسر الجسد وتستيقظ الروح
بدأت الحكاية بحدث درامي عام 2008م، حين كان مهند طالبًا طموحًا في جامعة الملك فهد للبترول والمعادن. تعرض لحادث سير مروع أدخله في غيبوبة استمرت عشرين يومًا، ليستيقظ منها على واقع جديد تمامًا: فقدان البصر وبتر الساق اليمنى. بالنسبة لكثيرين، قد تكون هذه نهاية الطريق، لكن بالنسبة لأبو دية، كانت مجرد “إعادة ضبط” لمسار طموحه الذي لا يحده سقف.
“صقر العروبة”.. تفوق سعودي في أعماق المحيطات
لم يقف فقدان البصر حائلًا أمام عبقرية مهند الهندسية، فقد أنجز أكثر من 22 اختراعًا، لعل أبرزها غواصة “صقر العروبة”.
هذا الابتكار لم يكن مجرد إنجاز محلي، بل تحدى الأرقام العالمية؛ حيث صممت للغوص إلى عمق 6525 مترًا تحت سطح الماء، متفوقة بذلك على الغواصة اليابانية الشهيرة “شينكاي” التي توقف مداها عند 6500 متر، ليرفع بذلك اسم المملكة في المحافل العلمية الدولية.
ما بعد الاختراع.. صناعة جيل من المبتكرين
أدرك مهند أن النجاح الفردي لا يكفي، فقرر نقل خبراته للأجيال القادمة. ورغم تحدياته الجسدية، قام بما يلي:
- التأليف والتدريب: ألقى أكثر من 100 محاضرة جماهيرية، وألف كتاب “دليلك إلى ريادة الاختراع”.
- المؤسسات العلمية: أسس “مركز أسطرلاب للتدريب” و”المركز السعودي لثقافة الاختراع”. ليخلق بيئة حاضنة للمواهب السعودية.
- الاعتمادات الدولية: حصل على اعتمادات أوروبية في تدريب الاختراع، وتابع تخصصه الدقيق في هندسة الطيران والفضاء.
إنجازات نوعية واختراعات إنسانية
تتسم اختراعات أبو دية بلمسة إنسانية وعملية واضحة، ومن أبرزها:
- القلم الممغنط: المخصص للمكفوفين، ورواد الفضاء، والمصابون بمرض الرعاش.
- أنظمة السلامة: جهاز كشف الحرائق بالليزر، وابتكار لمنع انقلاب السيارات أثناء السير.
- الحماية الشخصية: جهاز حماية المحفظة من السرقة ونظام تنبيه للوضعية الصحيحة للجلوس.
الريادة في إدارة المشروعات (PMI)
استمر مهند في كسر الحواجز حتى في الجوانب الإدارية، حيث نال شهادة إدارة المشروعات للمحترفين (PMP) من معهد إدارة المشروعات العالمي.
وبذلك، دخل التاريخ كأول كفيف في الشرق الأوسط يعتمد في قوائم هذا المعهد العريق منذ تأسيسه عام 1969م، وهو إنجاز يعكس دقة تنظيمه وقوة بصيرته الإدارية.

البصيرة أقوى من البصر
إن مسيرة مهند أبو دية هي رسالة لكل طامح بأن العجز الحقيقي ليس في الجسد، بل في استسلام الروح. فبين غواصة تغزو أعماق البحار، وشهادات عالمية في الإدارة، يبقى مهند منارة تضيء الطريق لكل من يظن أن الظروف أقوى من الأحلام. وفقًا لـ jazanfigures



















