لماذا نشعر بالراحة في بعض الأماكن؟ علم النفس يكشف سر تعلقنا بأماكن الطفولة

هل سبق أن تذكرت مكانًا من طفولتك وما زلت تشعر بالراحة بمجرد التفكير فيه؟ قد يكون ذلك المكان حديقة، أو ركنًا صغيرًا في المنزل، أو مخبأً كنت تلجأ إليه للعب، أو حتى مكانًا لم يكن مسموحًا لك بدخوله. ورغم مرور سنوات طويلة، قد تبقى تفاصيله حاضرة في ذاكرتك، بما فيها أصواته وروائحه ومشاعرك التي ارتبطت به.

ولا يبدو هذا التعلق بالأماكن مجرد مصادفة؛ إذ تشير أبحاث علم النفس البيئي إلى أن الطريقة التي نشعر بها تجاه الأماكن ترتبط بمجموعة من الخصائص النفسية والمادية التي قد تكون متجذرة في تاريخ الإنسان التطوري.

لماذا ننجذب إلى أماكن معينة؟

تشير أبحاث علماء النفس البيئي إلى أن البشر يميلون إلى تفضيل بعض البيئات الطبيعية التي توفر عناصر كان من الممكن أن تكون مفيدة لبقاء الإنسان في الماضي، مثل المياه، والمساحات المفتوحة، ووجود الأشجار أو الغطاء النباتي القريب.

This may contain: three children climbing up the side of a tree in a forest next to a river

لكن جاذبية المكان لا تعتمد فقط على وجود هذه العناصر الطبيعية، بل ترتبط أيضًا بالطريقة التي يسمح لنا بها المكان برؤية ما حولنا والشعور بالأمان في الوقت نفسه.

وقد اقترح الجغرافي البريطاني جاي أبلتون مفهومين أساسيين لفهم هذا التفضيل: الإطلالة والملجأ.

الإطلالة والملجأ.. معادلة الشعور بالأمان

يشير مفهوم الإطلالة إلى القدرة على رؤية البيئة المحيطة بوضوح، بينما يشير الملجأ إلى وجود مساحة توفر الحماية والاختباء بعيدًا عن الأخطار المحتملة.

ومن هذا المنظور، تبدو الأماكن المثالية تلك التي تسمح لنا برؤية ما يحدث حولنا، مع توفير مكان يمكننا الاحتماء فيه عند الحاجة. ولذلك قد نشعر بالراحة في مكان يمكننا فيه مراقبة المحيط دون أن نكون مكشوفين بالكامل أمام الآخرين.

وقد وصف مهندس المناظر الطبيعية الأمريكي راندولف هيستر هذا النوع من الأماكن بأنه يشبه “رحمًا ذا إطلالة”، في إشارة إلى الجمع بين الحماية وإمكانية مراقبة البيئة الخارجية.

This may contain: three girls climbing up and down a tree

سر حب الأطفال للمخابئ والأماكن الصغيرة

يمكن ملاحظة هذه التفضيلات بوضوح في سلوك الأطفال. فكثير منهم يستمتعون ببناء الحصون الصغيرة، والاختباء داخل صناديق الكرتون، واللعب في بيوت الأشجار أو بين الشجيرات والنباتات الكثيفة.

وقد تبدو هذه الأماكن بسيطة، لكنها تمنح الطفل شعورًا بالخصوصية والحماية، وفي الوقت نفسه تسمح له بمراقبة ما يحدث من حوله.

وربما يفسر ذلك أيضًا سبب بقاء ذكريات بعض أماكن الطفولة حاضرة بقوة حتى بعد مرور عقود. فالمكان لا يرتبط بالصور وحدها، بل بالمشاعر التي عاشها الطفل داخله، مثل الأمان والحرية والفضول والمتعة.

هذا التفضيل لا يختفي مع التقدم في العمر

لا يتوقف بحث الإنسان عن الملجأ والإطلالة عند مرحلة الطفولة، بل يمكن ملاحظته في تفاصيل الحياة اليومية لدى البالغين.

فعلى سبيل المثال، قد يكون المكتب الذي يتمتع بإطلالة من نافذة في طابق مرتفع أكثر جاذبية لدى بعض الأشخاص. وفي المطاعم، يفضل كثيرون الجلوس في الزوايا أو بالقرب من الجدران، حيث يمكنهم الحصول على قدر من الخصوصية مع إمكانية رؤية المكان المحيط.

أما الجلوس في منتصف مساحة مفتوحة، فقد يجعل الشخص يشعر بأنه أكثر تعرضًا لأنظار الآخرين. خصوصًا عندما تكون المقاعد الأكثر حماية متاحة.

وهكذا، يمكن أن يصبح المكان الأكثر راحة بالنسبة لنا هو المكان الذي يجمع بين مجال رؤية جيد وشعور بالحماية.

لماذا تبدو بعض الأماكن مخيفة؟

على الجانب الآخر، قد تثير بعض البيئات شعورًا بعدم الارتياح عندما تفتقر إلى هذه العناصر. فالمكان الذي لا يوفر رؤية واضحة أو مساحة آمنة للاختباء قد يجعل الإنسان يشعر بأنه مكشوف وضعيف.

وتشير بعض الأبحاث في علم النفس البيئي إلى أن الأماكن التي توفر رؤية محدودة مع وجود أماكن اختباء غير واضحة قد تفسر على أنها أكثر خطورة. إذ يصعب على الشخص معرفة ما قد يكون موجودًا خلف الحواجز أو في المناطق التي لا يستطيع رؤيتها.

كما يرتبط الشعور بالأمان بما يسمى الوضوح، أي مدى سهولة فهم المكان وتنظيمه وتكوين صورة ذهنية عنه. فالمكان الواضح هو الذي يمكننا معرفة الاتجاهات داخله، وتذكر مساراته، والتنقل فيه دون خوف من الضياع. كما يسهل علينا العثور على طريق للخروج عند الحاجة.

المكان المريح قد يكون أكثر من مجرد مكان

تساعد هذه الأفكار في تفسير سبب شعورنا بالراحة الشديدة في أماكن معينة دون أن نعرف دائمًا السبب. فقد لا يكون الأمر متعلقًا بجمال المكان فقط، وإنما بالطريقة التي يمنحنا بها شعورًا بالأمان والسيطرة والقدرة على رؤية ما يحيط بنا.

ولهذا، عندما تجد نفسك في مكان تشعر فيه بالراحة التامة، حاول أن تلاحظ تفاصيله، هل يمنحك رؤية واسعة؟ هل يوفر لك زاوية محمية؟ هل تشعر أنك بعيد عن الأنظار؟ وهل تستطيع فهم المكان والتنقل فيه بسهولة؟

وربما تكشف لك الإجابة شيئًا عن سبب تعلقك بهذا المكان، أو تعيدك للحظات إلى مكان صغير من طفولتك كنت تشعر فيه بالأمان دون أن تعرف آنذاك لماذا كان يعني لك الكثير.

الرابط المختصر :