لماذا نشعر بالراحة في أحضان الطبيعة؟ العلم يفسر

منذ قرون، ارتبطت الطبيعة في الوعي الإنساني بالجمال والراحة والإلهام، ومع توسع المدن وازدياد مظاهر الحياة الحضرية، أصبح البحث عن المساحات الطبيعية وسيلة يلجأ إليها كثيرون للابتعاد عن الضغوط اليومية واستعادة الهدوء.

وقد برز هذا التصور بشكل واضح خلال الحركة الرومانسية الإنجليزية في أوائل القرن التاسع عشر، حين نظر الأدباء والفنانون إلى الطبيعة باعتبارها مصدرًا للإلهام والسكينة والتجدد النفسي. ولم يقتصر اهتمامهم على المناظر الاستثنائية، بل عبروا أيضًا عن المشاعر التي يمكن أن تثيرها المناظر الطبيعية في الحياة اليومية.

الطبيعة تمنح الإنسان شعورًا بالرهبة

لطالما أثارت المناظر الطبيعية الكبرى، مثل الجبال والبحار، مشاعر تجمع بين الرهبة والإعجاب والخوف والتبجيل. وتظهر أهمية الطبيعة في تاريخ المجتمعات من خلال ارتباط العديد من الثقافات بالجبال باعتبارها أماكن مقدسة أو ذات أهمية روحية.

La charité sur Loire, beautiful city in Bourgogne at the edge of the Loire
MathieuRivrin//Getty Images

لكن الشعور الإيجابي تجاه الطبيعة لا يحتاج بالضرورة إلى منظر استثنائي أو رحلة بعيدة. فقد يكون النظر إلى شجرة بألوان الخريف، أو التجول بين الزهور في الربيع، كافيًا لمنح الإنسان لحظة من المتعة والراحة.

وتشير أبحاث في علم النفس البيئي إلى أن قضاء الوقت في الأماكن المفتوحة، مثل المشي في الطبيعة أو ممارسة الأنشطة الخارجية في مناطق خلابة، يمكن أن يرتبط بانخفاض مستويات التوتر وتحسن المزاج. وحتى مشاهدة صور المناظر الطبيعية قد تمنح بعض التأثيرات الإيجابية، وإن كانت عادةً أقل من تأثير التجربة المباشرة.

ما المقصود بـ«التجربة الخضراء»؟

تستخدم عالمة النفس البيئي راشيل كابلان مفهوم «التجربة الخضراء» لوصف تفاعل الإنسان مع العالم الطبيعي. ويبدو أن الرغبة في خوض هذه التجربة متجذرة لدى كثير من الناس. وهو ما يفسر استعداد البعض للسفر لمسافات طويلة أو تخصيص الوقت والمال بحثًا عن الغابات والشواطئ والجبال وغيرها من البيئات الطبيعية.

Young woman relaxing on jetty in garden
Westend61//Getty Images

وفي المدن، يمكن ملاحظة هذا الميل حتى في أبسط أشكاله؛ فالبعض يختار الجلوس في السيارة داخل حديقة أو بالقرب من بحيرة. أو يخصص وقتًا لمجرد النظر إلى المساحات الخضراء. وقد لا يكون الهدف من ذلك ممارسة نشاط محدد، وإنما الحصول على فترة قصيرة من الهدوء والابتعاد عن صخب الحياة اليومية.

لماذا تساعد الطبيعة على استعادة الهدوء؟

توجد عدة تفسيرات محتملة للتأثير المريح للطبيعة. فالبيئات الطبيعية تكون في كثير من الأحيان أقل ازدحامًا بالمحفزات وأكثر هدوءً من البيئات الحضرية، ما قد يمنح العقل فرصة للراحة بعيدًا عن الكم الكبير من المعلومات والأصوات والمثيرات التي يتعامل معها خلال اليوم.

وتشير إحدى الفرضيات إلى أن الإنسان قد يكون مهيأً من الناحية التطورية للاستجابة بشكل إيجابي لبعض البيئات الطبيعية. كما أن الأنماط والأشكال الموجودة في الطبيعة قد تجذب الانتباه بطريقة لا تتطلب قدرًا كبيرًا من الجهد الذهني، الأمر الذي قد يساعد على الشعور بالاسترخاء واستعادة الانتباه.

وقد يكون هذا أحد الأسباب التي تجعل الأشخاص يبحثون عن الطبيعة عندما يشعرون بالإرهاق أو الضغط. فهي توفر بيئة مختلفة عن تلك التي اعتادوا التعامل معها في العمل والحياة اليومية.

This may contain: a person sitting in the grass reading a book under a tree with its shadow on the ground

ذكريات الطفولة تكشف ارتباطنا بالطبيعة

لا يقتصر ارتباط الإنسان بالطبيعة على اللحظة الراهنة، بل يمكن أن يمتد إلى الذاكرة. فقد أظهرت دراسات سئل فيها بالغون عن الأماكن الأكثر أهمية بالنسبة إليهم خلال طفولتهم. أن نسبة كبيرة منهم اختارت أماكن خارجية، مثل الحدائق والغابات والشواطئ.

وتشير هذه النتائج إلى أن الأماكن الطبيعية قد تترك أثرًا طويل الأمد في الذاكرة والمشاعر. وربما تصبح جزءً من التجارب التي يعود إليها الإنسان ذهنيًا عندما يبحث عن الراحة أو الشعور بالأمان.

نزهة قصيرة قد تكون كافية

لا تحتاج الاستفادة من تأثير الطبيعة إلى السفر إلى وجهة بعيدة أو قضاء أيام وسط الغابات. ففي كثير من الأحيان، يمكن لنزهة قصيرة في حديقة قريبة أو الجلوس في مساحة خضراء أن توفر فرصة للابتعاد مؤقتًا عن الضغوط اليومية.

This may contain: a woman kneeling down next to a little boy in a forest filled with wildflowers

ومع تزايد ضغوط الحياة الحضرية وكثرة الوقت الذي يقضيه الإنسان أمام الشاشات وفي البيئات المغلقة. قد يصبح تخصيص وقت منتظم للتواصل مع الطبيعة وسيلة بسيطة لدعم الراحة النفسية وتحسين المزاج. وفي بعض الأحيان، قد يكون الابتعاد قليلًا عن صخب اليوم والجلوس وسط الأشجار أو بالقرب من الماء هو كل ما يحتاج إليه العقل ليستعيد شيئًا من هدوئه.

الرابط المختصر :