رغم ما حققته البشرية من تقدم علمي وتقني مذهل، لا يزال الإنسان يطارد سر السعادة الحقيقية التي تمنحه الطمأنينة والسلام الداخلي.
ومع تطور علم الأعصاب، اكتشف العلماء أن السعادة ليست مجرد شعور عابر، أو حالة نفسية مؤقتة. بل هي نتيجة لتوازن دقيق في كيمياء الدماغ، تتحكم فيه مجموعة من المواد الكيميائية تعرف بـ “هرمونات السعادة”.
ولا شك في أن السعادة نسبية؛ إذ تختلف من شخص لآخر، ولا تتحقق فقط بالسعي وراء امتلاك أشياء جديدة يحبها الشخص. بل يمكن تحقيق قسط كبير منها، إذا ما أحب الإنسان ورضي واقتنع بالأشياء التي يمتلكها بالفعل. إذ يرى الباحثون أن الأشخاص الراضين بما يمتلكونه بالفعل، هم أكثر سعادة من نظرائهم غير الراضين بما يمتلكون.
السعادة من منظور علمي
أصبح واضحًا أن السعادة ليست مصادفة، بل حالة بيولوجية يمكن تعزيزها من خلال نمط الحياة؛ فالدماغ يفرز هرمونات تتحكم في المزاج والمشاعر؛ أبرزها: السيروتونين، والإندورفين، والدوبامين، والأوكسيتوسين. وهي التي تشكل معًا “مفتاح الشعور بالرضا”.
– السيروتونين: “مضاد الاكتئاب الطبيعي”، يمنح الشعور بالراحة والرضا، ويزداد إفرازه بممارسة الرياضة، والتعرض لأشعة الشمس.
– الإندورفين: “مسكن الآلام الطبيعي”. يساعد على مقاومة التوتر، ويتحفز بالضحك، والتمارين الرياضية.
– الدوبامين: هرمون “التحفيز والإنجاز”. يمنح الإحساس بالنجاح عند تحقيق الأهداف، أو تلقي التقدير.
– الأوكسيتوسين: “هرمون الحب”، يفرز أثناء العلاقات الاجتماعية الداعمة، ويقوي الترابط الإنساني.
السعادة مفتاح الصحة النفسية والجسدية
السعادة ليست رفاهية عاطفية، بل ركيزة أساسية لصحة الإنسان النفسية والجسدية؛ فالسعداء يتمتعون بمناعة أقوى، كما أن نسبة إصابتهم بالأمراض المزمنة أقل؛ ما يجعلهم يعيشون عمرًا أطول.
وقد أكدت منظمة الصحة العالمية أن الصحة هي حالة من اكتمال السلامة البدنية والعقلية والاجتماعية. ما يجعل السعادة جزءًا لا يتجزأ من الصحة الحقيقية.
كيف نعزز هرمونات السعادة؟
يمكن للإنسان أن يصنع سعادته بطرق بسيطة، تتمثل في ستة أشياء:
1. ممارسة الرياضة بانتظام.
2. تناول أطعمة؛ مثل الموز، والأناناس، والشوكولاتة، والأسماك.
3. بناء علاقات اجتماعية إيجابية قائمة على الثقة.
4. تحقيق الأهداف الواقعية والاعتزاز بالإنجاز.
5. قضاء الوقت في الهوايات المحببة والأنشطة الممتعة.
6. تحقيق التوازن بين العمل والحياة الشخصية.
الاكتئاب.. الوجه الآخر لانخفاض السعادة
تشير تقارير منظمة الصحة العالمية إلى أن أكثر من 280 مليون شخص حول العالم يعانون من الاكتئاب؛ أحد أبرز أسباب العجز عالميًا. والذي تتمثل أعراضه في الحزن المستمر، وفقدان المتعة، واضطرابات النوم، وضعف التركيز، والشعور باليأس، لذا؛ يعد تعزيز السعادة هو خط الدفاع الأول ضد هذا المرض الصامت.
علامات التوازن النفسي
لا يخلو الإنسان المتوازن نفسيًا من المشاعر السلبية، ولكنه يستطيع التعايش معها بوعي؛ فمن أبرز علامات الصحة النفسية:
– الاستمتاع بالأشياء البسيطة.
– التكيّف مع ضغوط الحياة.
– احترام الذات والآخرين.
– التوازن بين العمل والراحة.
– القدرة على الحب والعطاء.
الرفاه الحقيقي
إن السعادة ليست هدفًا بعيدًا، بل أسلوب حياة نغذيه بالرضا، والامتنان، والعلاقات الصادقة؛ فكلما ازداد وعي الإنسان بأهمية التوازن النفسي والكيميائي في جسده، اقترب أكثر من الرفاه الحقيقي.
قال تعالى: “وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا ۗ إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ” (النحل: 18). وقال أيضًا:”وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا…” (هود: 108).. نسأل الله عز وجل أن يجعلنا من السعداء في الدنيا والآخرة.
د. أميرة الحوفي
أستاذ دكتور (بروفيسور) تمريض صحة المجتمع – جامعة أسيوط المصرية، ومعارة كأستاذة بجامعة جازان السعودية.



















