يروى أن هناك سيدة طاعنةً في السن أقعدها مرض غريب وأعجزها تمامًا، فجاء ابنها الأكبر رفقة زوجته ليهتما بها. فوجداها في غرفة معتمة وقد حذرها كل الأطباء ومنعوها من أن تستقبل نور ضوء النهار أو حتى ضوء المصابيح. وإلا قد يتسبب في خلل في دماغها و تموت.
وكان ابنها كل يوم يشتري لها لحمًا ويوصي زوجته أن تطهوه لها لاشتهائها وحبها له. ومرت أيام و أيام وطلبت الأم مجددًا من ابنها أن يحضر لها لحمًا وقالت له إنها تشتهيه بشدة.
فاستغرب الأمر وهرول مسرعًا لزوجته سائلًا إياها عن اللحم الذي يحضره كل يوم. فأجابته قائلة بأنها تطهوه لها كل يوم وتذهب به إليها. لكن طيرًا غريبًا يتسلل ويخطفه في كل مرة.
وحين تقصى الإبن أمر والدته وجدها قد كانت سابقًا في شبابها تمنع الخير عن حماتها وتظلمها كثيرًا متعمدةً إيذاءها. حتى دعت عليها أن تظلم حياتها ويصيبها ما أصابتها به فكانت هذه هي عاقبتها.
تأخذنا هذه القصة إلى معنى أعمق من أحداثها نفسها، إذ إن السيدة التي تقضي أيامها في غرفة مظلمة. عاجزة عن رؤية الضوء ليست مجرد مريضة أصابها قدر قاسٍ. بلي يجسد صورة إنسان يواجه عتمة نتائج أفعاله السابقة. فالحياة لا تسير بمعزل عن الماضي. وكثيرًا ما تعود الأفعال القديمة لتلقي بظلالها على أحداث الحاضر.

والأهم في القصة بغض النظر عن تفاصيل المرض الغريب أو مصدر الطائر ، هو الرسالة التي تحملها. فالإنسان قد ينسى أو “يتناسى” ما فعله بالآخرين، لكن آثاره أفعاله تبقى في حياة من حوله أو في مسار حياته نفسه.
وتجلت في ذلك معاني العدالة الإنسانية بأسلوب رمزي، فنجد في الكثير من الأحيان الظالم يظن أن قوته أو سلطته في لحظةٍ محددة تمنحه القدرة على إيذاء الآخرين دون حساب.
لكن الزمن كفيل بتغيير الأدوار، من كان قويًا يغدو ضعيفًا، ومن كان محتاجًا يصبح قادرًا ليتبين أن الرحمة والعدل من القيم الأخلاقية الواجبة وضمانة لحياة أكثر توازنًا.
ونتذكر بذلك بأن الكلمات القاسية، الحرمان المتعمد، أو الظلم المتكرر، قد يبدو بسيطًا في لحظته. لكنه يتحول مع الوقت إلى عبء ثقيل على صاحبه. والأجدر أن يراجع كل منا نفسه في علاقاته اليومية فبدل أن نبحث دائمًا عن حقوقنا فقط، قد يكون من الحكمة أن نتساءل فيما إن كنا حقًا نعدل في التعامل مع الآخرين.
وعلى كل ظالم ومتجبر في هذه الحياة أن يعي أن السعادة مفهوم بسيط جدًا يتحقق بسلامة بالنية الصافية لله تعالى وحسن الظن. أما الظلم فما هو إلا ظلمات يوم القيامة إلا إذا دفع صاحبه ثمنه في الحياة الدنيا وهنا يكون هذا رأفة الله به.
الرابط المختصر :
















