تعد غزوة ذات الرقاع واحدة من الغزوات التي تجلّت فيها معاني الصبر والثبات وحسن التدبير في السيرة النبوية. فقد خرج فيها النبي ﷺ بأصحابه في ظروفٍ صعبة، يواجهون مشقة الطريق ووعورة الأرض. وسمیت بذات الرقاع، لأنهم رقعوا فيها راياتهم في قول ابن هشام. ذكر غيره أنها أرض فيها بقع سود وبقع بيض كأنها مرقعة برقاع مختلفة فسميت ذات الرقاع.
وما رواه البخاري من طريق أبي موسى الأشعري، قال: “خرجنا مع النبي – صلى الله عليه وسلم – في غزاة ونحن ستة نفر بيننا بعير. نعتقبه فنقبت أقدامنا، ونقبت قدماي وسقطت أظفاري. فكنا نلف على أرجلنا الخرق فسميت غزوة ذات الرقاع، لما كنا نعصب من الخرق على أرجلنا. فحدث أبو موسى بهذا، ثم كره ذلك فقال ما كنت أصنع بأن أذكره كأنه كره أن يكون شيئًا من عمله أفشاه”.
بعد أن تم القضاء على فتنة اليهود، وكسر شوكة قريش ومن معها، بقي هناك خطر آخر، وهو الأعراب القساة الموجودون في صحاري نجد. والذين لم يتوقفوا عن أعمال النهب والسلب، فأراد النبي – صلى الله عليه وسلم – تأديبهم وإخماد نار فتنتهم من جهة. وتوطيد الأمن وحماية المنطقة من جهة أخرى.
وعندما سمع النبي – صلى الله عليه وسلم – باستعداد هؤلاء لقتاله حزم أمره ونادى أصحابه بالغزو وبإعداد العدة. وسارع المسلمون إلى أسلحتهم وتجمعوا للحرب، حتى بلغوا فيما قيل أربعمائة أو سبعمائة مقاتل.

وخرج النبي – صلى الله عليه وسلم – بجيشه من المدينة. واتضحت منذ البداية الصعوبات التي تنتظرهم، فهناك نقص شديد في عدد الرواحل. حتى إن الستة والسبعة من الرجال كانوا يتوالون على ركوب البعير.
ومما زاد الأمر سوءً وعورة الأرض وكثرة أحجارها الحادة، التي أثرت على أقدامهم حتى تمزقت خفافهم، وسقطت أظفارهم. فقاموا بلف الخرق والجلود على الأرجل، ومن هنا جاءت تسمية هذه الغزوة بهذا الاسم. ففي الصحيحين عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال : “وكنا نلف على أرجلنا الخرق، فسميت غزوة ذات الرقاع”.
واستمر الجيش في المسير حتى بلغ موضعًا لبني غطفان يقال له “نخل”، فلما سمع بهم الأعراب تملكهم الخوف. وأدركوا جدية الأمر، فهربوا إلى رؤوس الجبال، تاركين وراءهم النساء والذرية.
أحكام صلاة الخوف
خشي النبي – صلى الله عليه وسلم – أن يعود أولئك الفارون مرة أخرى ليهجموا على المسلمين على حين غفلة منهم. خصوصًا أن وقت الصلاة قد حضر، والمشركون ينتظرون لحظة كهذه لينقضوا على المسلمين.

وفي هذه الأثناء جاء الفرج من عند الله، ونزلت آية كريمة فيها تشريع صلاة الخوف وبيان هيئتها. وهي قوله تعالى: “وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة فلتقم طائفة منهم معك وليأخذوا أسلحتهم فإذا سجدوا فليكونوا من ورائكم ولتأت طائفة أخرى لم يصلوا فليصلوا معك وليأخذوا حذرهم وأسلحتهم ود الذين كفروا لو تغفلون عن أسلحتكم وأمتعتكم فيميلون عليكم ميلة واحدة ولا جناح عليكم إن كان بكم أذى من مطر أو كنتم مرضى أن تضعوا أسلحتكم وخذوا حذركم إن الله أعد للكافرين عذابًا مهينا” (النساء : 102 ) فصلى النبي – صلى الله عليه وسلم – بمن معه.
وانتهت الصلاة، ولم يحدث شيء مما كان يخشاه النبي -صلى الله عليه وسلم – فاختار الرجوع إلى المدينة بعد أن حصل له مقصوده من الغزو.
وهكذا انتهت أحداث هذه الغزوة، وقذف الله الرعب في قلوب أولئك الأعراب، فلم تجرؤ القبائل من غطفان ولا غيرها أن ترفع رأسها بعد ذلك. حتى شاء الله لها أن تسلم لاحقًا لتشارك في فتح مكة وغزوة حنين.
















