يعتبر تناول الطعام في حد ذاته تعبيرًا عن قيم اجتماعية مثل حسن الضيافة وكرم الوفادة. كما أنه يعكس البعد الاجتماعي والتأريخ لجماعات الناس والشعوب المتضمن في جوهر مظاهر العادات والتقاليد والمعتقدات والأفكار الدينية. بالإضافة إلى المعلومات التاريخية التي توثق لمعطيات المرحلة وتسهم في تأصيلها.
ومن أطرف ما يمكن مطالعته في كتاب رحلات ابن بطوطة “تحفة الأنظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار” هي جملة الأحداث والأقوال التي تناولها الرحالة الشهير محمد أبو عبدالله بن محمد بن عبدالله بن ابراهيم الطنجي الشهير بـ “ابن بطوطة” (1304 ـ 1377) في إطار السرد الجذاب لطبيعة تفاعله مع حياة الناس اليومية من خلال رحلة طويلة من مدينة طنجة المغربية حتى جزيرة جاوة بإندونيسيا دامت 27 سنة من 1325 ـ 1352 انحاز فيها إلى عامة الناس وقص عنهم ووصف حالهم بموضوعية ودون مبالغة. وعرض لبعض الأطعمة التي تبرز أنواع المأكولات وتكشف عن طبائع الناس.

وفي “جزيرة (سيلان ) دولة سريلانكا” حاليًا يذكر بعد وصف الترحاب به: “يطبخ لنا بعض اللحم ويأتون به في قدورهم ويقعدون على بعد منا. ويأتون بأوراق الموز العريضة فيجعلون عليها الأرز وهو طعامهم ويصبون علية (الكوشان) أو الإدام أو المرق ثم يذهبون.
يلمح الكاتب أن ما تم تقديمه أساسًا هو الأرز واللحوم، وأن طريقة تقديم المأكولات بسيطة فلا توجد صحاف أو أواني لوضع المأكولات. ما يشير إلى المستوى الاقتصادي والاجتماعي لتلك البلاد في تلك الفترة. ثم يشير إلى خروج هؤلاء القوم أثناء تناول الطعام. ما يشي بأخلاقياتهم حتى لا يحرج الضيف فيتناول طعامه في راحة وسكينة.

في “مدينة منفلوط بمصر” يقول: “من عوائد أهلها أن لا يمنعون الفقراء من دخول المعاصر الإحدى عشر للسكر، فيأتي الفقير بالخبزة الحارة ويطرحها في القدر التي يطبخ السكر فيها ثم يخرجها وقد امتلأت سكرا وينصرف بها” .
والعادة أن تأخذ الأم رغيفًا وتملأه بالسكر أو السكر والسمن أو العسل وتغمس الرغيف الساخن فيها وتطعم به أطفالها. ويكتشف ابن بطوطة في كتابه lن لمظاهر الحياة الإنتاجية للمدينة الصغيرة بصعيد مصر والمعروف عنها إنتاج السكر (حتى الآن) ملمح اجتماعي هام وهو التكافل مع الفقراء وإتاحة فرصة تناول بعض السكر مع الخبز.
وفي“مقديشو عاصمة الصومال” يذكر أولًا عبارات الترحاب التي بعث بها السلطان أبو بكر ابن الشيخ عمر حاكم البلاد حينذاك. فور علمه بمقدم ابن بطوطة، ويكون الترحاب بتقديم الطعام.
ثم يصف أكلاتهم: طعامهم الأرز المطبوخ بالسمن، يجعلون في صفحة خشب كبيرة ويعلون فوقه صحاف الكوشان أو إدام الدجاج واللحم والسمك والبقول. ويطبخون الموز قبل نضجه ويجعلون اللبن الرائب فوقه ثم الليمون المخلل وعناقيد الفلفل المملح والزنجبيل الأخضر والعنب قبل نضجه.
ثم يصف العنب بعد نضجه معجبًا بطعمه اللذيذ الذي يشبه التفاح لكنه صغير الحجم. ما يعتقد أن العنب صغير الحجم (الزبيب) لم يكن معروفًا في بلاد المغرب العربي في تلك الفترة. وهم إذا أكلوا من الأرز تناولوا بعدها من هذه الموالح والمخللات. ويضيف ابن بطوطة :”الرجل الواحد من أهل مقديشو يأكل قدر ما يأكله جماعة منا”. ما يكشف عن طباع سكان تلك المناطق.

لما وصل “بلاد الروم “مدحها ووصفها قائلًا: “بلاد الروم من أحسن أقاليم الدنيا، وأهلها من أجمل الناس صورًا وأنظفهم ملابس وأطيبهم مطاعم. أينما نزلنا دارًا يتفقد الجيران رجالًا ونساء أحوالنا. من عاداتهم أن يخبزوا في يوم واحد في الأسبوع. فكان رجالهن يأتون إلينا بالخبز الحار في يوم خبيزه ومعه الإدام الطيب ويقولون أن النساء بعثن هذا إليكم، وهن يطلبن منكم الدعاء“.
وجميع أهل هذه البلاد على مذهب الحنفية ومقيمين السنة لا فيهم قدري ولا معتزلي ولا مبتدع، وأعاب عليهم أنهم يشربون النبيذ. ولعل الملمح الاجتماعي الهام في تناول المأكولات هو دور المرأة البارز. فمكانة المرأة واضحة ودور النساء جلي وقيمتهن مقدرة ومحترمة. ما يتجلى في أن الضيافة باسم الزوجات والمأكولات من إنتاجهن.

أثناء وجوده في إحدى مناطق تركيا قال: “هؤلاء الأتراك لا يأكلون الخبز ولا لطعام الغليظ، وإنما يصنعون طعامًا من شيء يشبه العنب. يجعلون الماء على النار فإذا غلى، صبوا شيئا منه وطبخوا قطع اللحم الصغيرة. وجعلوا لكل رجل نصيبه في صحيفة ثم يصبون عليه اللبن الرائب ويشربونه. ويشربون لبن الخل وهم أهل قوة وشدة وحسن مزاج”.
بتلك الجملة يشير ابن بطوطة إلى أن تناول الطعم بكميات كبيرة ليس هو سر القوة ، وهي رؤية صحية يؤكدها الأطباء. كما أن الرحالة لم يكن منبهرًا ولا منفعلًا ولا صاحب آراء مسبقة. وفي وصف أكلات تلك المنطقة يقول: “يستعملون في بعض الأوقات طعاما يسمونه “المورخاني” وهو عجين يقطعونه قطعًا صغيرة ويثقبون وسطها ويجعلونها في قدرة، فإذا طبخت صبوا عليها اللبن الرائب ويشربونها”.

وفي منطقة “أوزبك” أصبح في ضيافة سلطانها في رمضان وجاء وقت الإفطار، أحضروا لحوم الخيل وهي أكثر ما يأكلون من اللحوم. ثم لحوم الغنام بعدها، ولحم الخيل يطبخ ويشرب لبنها.
ويروي ابن بطوطة أنه صنع ورجاله بعض الحلوى على طريقتهم وقدمها للسلطان بعد الإفطار. وضع السلطان أصبع السبابة وتذوق الحلوى، ثم قال: “لو قتلتني لن آكل تلك الحلوى”. وهو ما يكشف أن تذوق الأطعمة قد يبدو مختلفا من منطقة إلى أخرى بل من فرد إلى آخر من نفس المنطقة. وأن التذوق غالبًا ما يعد من العادات المكتسبة منذ الطفولة.
لما وصل ابن بطوطة “خوارزم” حيث بلاد الفرس علم أن أمير البلاد مرض بالنقرس وهو من أمراض الإفراط في تناول اللحوم. ما يكشف عن ما ستكون عليه موائد الأمير التي دعاه إليها. ثم أتى بالموائد فيها الطعام من الدجاج المشوي والكراكي -وهو طائر يؤكل- وأفراخ الحمام وخبز معجون في السمن وكعك وحلوى.

ثم أتى بموائد أخرى فيها الفواكه من الرمان في أواني من الذهب والفضة ومعه ملاعق الذهب. وأيضًا أواني من الزجاج العراقي ومعها ملاعق الخشب. هكذا نتعرف على تلك الموائد الفاخرة بإفراط سواء في أدوات المائدة أو فيما تتضمن من مأكولات.
في بلاد ” الهند “ بدت الفوق في أشكال الموائد والمأكولات جلية حتى عرف أن هناك ما يطلق عليه “الطعام الخاص” و “الطعام العام”. أما الطعام الخاص فهو طعام السلطان الذي يأكل منه بعض من الطبقة المقربة الخاصة. والطعام العام فهو لرجال الدولة، ويصف الرحالة طريقة الخدمة في تقديم تلك الأطعمة. ومن غرائب ما ذكره ابن بطوطة أن ارتباط تنال الأكل بالمناسبات. ففي حالة الوفاة في تركيا لا ترفع الموائد لمدة أربعين يومًا كاملة.

لقد كان ما بدا لابن بطوطة عجيبًا هو نوع ما يأكله و طريقة إعداده وتقديمه. وكان اهتمامه أكثر بوصف الأسواق وعرضها لبعض ما تضمنته من مأكولات. ولعل ما تعرضه أسواقنا الحديثة من مختلف السلع خاصة في رمضان كان سيجعله يضع مئات الكتب الأخرى.

















