ثقافة

«ضباب» ميغيل دو أونامونو.. محاولة إصلاح خطأ «ديكارت»

هذه الرواية “ضباب”، لـ “ميغيل دو أونامونو”، مما يهاب المرءُ الكتابة عنه؛ فالجمال مسؤولية، والتعبير عنه لا بد أن يكون على قدره وإلا فلا، ويدفعه الجمال ذاته لكي يدلي بدلوه فيه، علّه يظفر، في نهاية المطاف، بمسْحَة منه.

وهكذا يجد المرء نفسه في منزلة بين منزلتين؛ تخيفه روعة الجمال من التقدم _والإنسان ضعيف أمام وطأة الجمال؛ لهذا كان الجميل أكثر إيلامًا من الألم ذاته_ وتدفعه الرغبة في الكتابة لأن يضع سطرًا على الورق. وهكذا أظل فريسة شعور متناقض؛ أن أكمل ما أكتبه الآن وأن أذرف أفكاري دفعة واحدة، أو ألا أعبث بما داخلي من أشياء/ أفكار؛ فعلى كل حال لن يُعبّر المرء بأفضل طريقة عما يريد قوله طالما أنه يريد التعبير عن شيء جميل.

سيكولوجية الحب
هذه رواية قُطبها ومدارها السيد “أوغوستو بيريث”؛ وهو رجل ثري عاطل، لا يفعل شيئًا سوى مراقبة الشمس في الظل، والعدْو مساءً في الطرقات واللعب مع صديقه بيكتور؛ لكن في يوم ما تقع عيناه فجأة في عيني الفتاة «إوخينيا» ومنذ هذه اللحظة يتغير كل شيء في نفسه، وتزداد الرواية تعقيدًا وجمالًا (والجمال أصلًا غامض ومعقد)، ويزداد الدون أوغوستو في الحديث إلى نفسه.

لا تظن أن هذه رواية عن الحب؛ فالأمر على خلاف ذلك؛ فهي ليست عن الحب بما هو عاطفة بل بما هو وجع وجودي وألم، يحاكم السيد أوغوستو نفسه وحياته والعالم عبر هذا الحب. ليس حبه لـ إوخينيا وحدها؛ فهو نفسه لم يعد، في إحدى مراحل تطوره الروحي، واثقًا من حبه لها، فهو رجل أوجعه الجمال الأنثوي لدرجة أنه لم يكتف بتقبيل «روساريو» وتصور أنه يحبها، بل إنه نظر أيضًا إلى مفاتن خادمته.

لا تظنه رجلًا ساقطًا، فالرجل، كما قلت لك، أحب امرأة واحدة لكنه كان يؤمن بنظرية اخترعها عالم هندي قديم تقول بـ «كلية الروح الأنثوي»؛ بمعنى أن النساء من حيث الروح واحد، وإنما يأتي الاختلاف من التنشئة الاجتماعية، البيئة، التغذية.. إلخ.

كل شيء ضباب
تبجح «ديكارت» بمنهجه كثيرًا: «أنا أشك إذًا أنا موجود» متصورًا أنه، بوضعه الوجود على منضدة الشك سيكون وضع نظرية مُحكمة في الفكر والفلسفة على حد سواء، فليس حقيقيًا إلا ما صُفيّ بمصفاة الشك، لكنه نسي أن يشك في وجوده هو ذاته، في وجود «ديكارت»، وهذا خطأ طالما أن كل شيء ضباب؛ الحب، والحياة والوجود، حتى وجود ديكارت نفسه الذي لم يشك يومًا في وجوده!

لكن هذا بالضبط هو الخطأ الذي حاول «أوغوستو بيريث» إصلاحه، فلطالما سأل نفسه وخادميه: هل أنا حقًا أنا؟ وهذا سؤال محوري ووجودي، لكن من يجرأ على طرحه؟!

وإذا كان المرء شك في وجوده هو ذاته فلك أن تتصور كيف ستكون حياته، حبه، ماضيه، حاضره، ومستقبله؟ ضباب، كل شيء ضباب، في العقل ضباب، وفي القلب ضباب، وفي الروح ضباب. هكذا يكون المرء مبعثرًا، مشتتًا، غير قادر على فعل شيء، ولا اتباع قرار واحد إلى النهاية.

ولكي يتمكن «أوغوستو» من احتمال ضبابية الحياة لم يكن له من رفيق صادق ولا مستودع أسرار سوى «أورفيو»، ذاك الكلب اللقيط الذي عثر عليه خلال إحدى جولات تسكعه في الطرقات. وحين مات، منتحرًا، لم يكن له سوى هذا الكلب، أرأيت ما الذي يمكن لكلب أن يفعله في حياة إنسان؟!

اقرأ أيضًا: فيلم Mr. Hulot’s Holiday.. الرجل رفيق الأخطاء

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق