أسرة ومجتمع

صبحة بغورة تكتب: هل فـي رمضان.. المرأة ضحية جوع الرجل؟

لا تتحدث معظم النساء والزوجات عن مفردات جدول أعمال حياتهن اليومية في شهر رمضان المعظم إلا وتسبق كلماتهن المتقطعة تنهيدة عميقة تعكس صوتا وصورة كم ما في داخلهن من مشاعر تثقل على نفسهن.

شهر رمضان

مشاعر في حقيقتها متداخلة بين الإحساس بوجع الإجهاد والمعاناة من ألم التعب، وبين التذمر الصامت تارة والامتعاض المعلن تارة أخرى، وبين حس الفكاهة وحب التندر الساخر على سبيل انتقاد ظاهرة المرح وباطنه التنفيس، وبين نية تبليغ الرسائل النسائية العميقة المغزى والمتعددة المعاني والمفعمة بأحاسيس الأنوثة المضطربة والمليئة بالأسرار.

شكوى النساء في رمضان واحدة، إنها صرخات مكتومة تريد أن تقاوم طلبات الزوج التي لا تنتهي ، وهو لا يكف عنها وكأنه يتوحم، وبسببه تبقى الزوجة طوال النهار بالمطبخ لا تغادره حتى يقترب موعد آذان المغرب، وبعد تناول طعام الإفطار ستشعر أنها لم تعد قادرة على الوقوف أكثر من ذلك وستتعجب حينها كيف تحملت قدماها الوقوف كل هذه الساعات.

إنها الآن أمام الخيار الوحيد الذي انتظرته، الذهاب سريعًا إلى غرفة النوم؛ حيث لن تستيقظ إلا بعد منتصف الليل لتنظيف المطبخ وإعداد وجبة السحور، وتتوالى هكذا أيام رمضان الذي برغم مشقة الصوم وعذاب الطلبات الكثيرة لإعداد صنوف معينة من الطعام، فإن بركاته ورحمة الله تعالى بالصائمين والصائمات وسعت كل شيء.

ولكن ما يشق على نفس الزوجات، هو تقصيرهن في أداء العبادات، لأن معظمهن معرضات للمشاكل المستمرة والصراخ وسماع ما لا يليق من الكلمات البذيئة إن لم ينفذن الطلبات المتزايدة والرغبات الطارئة.. وكثيرات من الصائمات يؤكدن أنه ليس صعبًا عليهن التفرغ للعبادة والتقرب إلى الله تعالى خلال أوقات الصوم بل مستحيل خاصة إذا كان الزوج مغرم بالولائم والدعوات بشكل يتجاوز كثيرًا الغرض من نيل ثواب إفطار الصائم لوجه الله تعالى إلى التفاخر الزائف والتباهي المفرط بالتبذير المبالغ فيه الذي قد يضعف ثواب العمل.

ومما هو معلوم للجميع، أن المأكولات الشعبية وبخاصة الرمضانية في معظم المجتمعات العربية والإسلامية عمومًا صعبة جدًا ويتطلب إعدادها مهارات خاصة وخبرة، كما أنها تستغرق وقتا طويلا وتستهلك جهدًا كبيرًا.

قد يبدو الأمر هينا لدى البعض من النساء غير العاملات؛ إذ تمثل فترة الصباح وحتى منتصف النهار فترة مثالية لربات البيوت لأداء بعض العبادات في هدوء، كقراءة القرآن والقيام بصلاة النوافل على العكس من المٍرأة العاملة؛ حيث تضطر للذهاب إلى عملها في ساعات الصباح الباكر تبعا لقرب أو بعد مكان العمل.

وعلى العموم، فإن ما ينتظر المرأة وكل زوجة من ضغوط سواء كانت عاملة أو ربة بيت من واجبات منزلية مختلفة، تمثل عبئا كبيرًا بداية من ترتيب البيت وتنظيفه ثم الانصراف للأمر الأهم وهو إعداد طعام الإفطار وصنع الحلويات، وكل ذلك سيشغلها حتما طوال الوقت لتحسن جيدًا استقبال الأهل والأقارب والضيوف، فالعادات والتقاليد والدعوات ستتغلب على كل محاولة للتملص منها وستفرض نفسها بقوة.

ولا ينفي هذا أن للكثيرات في رمضان طقوس محببة تقضيها وتمارسها بكل سعادة في مطبخها الذي تكون قد تحسبت وجهزته مسبقًا بكل ما يسهل عليها عملها، وكثيرًا ما تساعد بعض أنماط الحياة اليومية العادية في بعض المجتمعات العربية في إمكانية توفر أوقات للمرأة العاملة لتأدية ما أمكن من الصلوات حتى بالمساجد خاصة في الدول التي تتبع نظام الدوام الواحد المستمر لساعات متصلة وعدم العودة للعمل بعد الانصراف، ولا عجب أن سمعناهم يصفون أيام شهر رمضان “بالتحفة”.

لكن بعض الدول الأخرى التي تتبع نظام الفترتين الصباحية والمسائية في العمل كدول المغرب العربي، ستكون المرأة العاملة فيه أمام مشقة مضاعفة ولن ينفع أي تغيير في نمط حياتها من أجل التخفيف عنها.

يقال “ساعة البطون تغيب العقول” لذلك نجد معظم الرجال يتناسون في رمضان مواقع زوجاتهم في الحياة الاجتماعية ومكانتهن الوظيفية ومستوياتهن العلمية والفكرية وواجباتهن المهنية، وحتى إذا كان بين الزوجين توافقا في المزاج وتفهما ففي ساعة الجوع لا يمكن أن تغنيه دروسًا أو محاضرة، والوضع الأمثل لتجاوز هذه الحالة الحرجة تكمن في وعي الزوج المتحضر وحسن تفهمه لأهمية أن يكون هو بالذات عنصر خلاق لأجواء الراحة النفسية في بيته بشكل يتيح لزوجته صواب التفكير وحكمة الرأي ورشادة التدبير، والتشاور معه حول أفضل ترتيب لقضاء أوقات شهر رمضان بدون أن تتسرب أيامه بغير التمتع بنفحاته الإيمانية.

والمرأة بطبيعتها تحب أن تقوم بتنويع صنوف الطعام على طاولة الإفطار ويسعدها كثيرا أن تقدم لأسرتها وعائلتها أشهى المأكولات، وستكون سعيدة أيضا إذا أحسنت اختيار الوجبات ذات الألوان المبهجة والتحضيرات الذكية الخفيفة، وأيضا إذا استغلت فرصة توافق أوقات تناول الطعام في رمضان لتجعل مائدة إفطارها فرصة للتقريب بين أفراد الأسرة ولخلق أجواء التواصل الممتع بينهم.

بالطبع، ستكون المرأة أسعد الناس بتجديد إيمانها بعد تقربها لزوجها بصنع ما يشتهي في رمضان وقدمته له ببسمة جميلة وبأرق عبارات الود وجميل مظاهر الاهتمام والعناية، ومع ذلك فالكثيرات يبتعدن قدر الإمكان في رمضان عن الأمور التي تتطلب عادة التفرغ، ويتعمدن تأجيل إنجازها إلى ما بعد انقضاء الشهر لتخفيف الضغط العصبي والنفسي عليهن والتفرغ لمحاولة إعطاء أسرهن أكبر قدر من الاهتمام.

الاتجاه حاليًا يميل إلى التقليل من الاهتمام بالمظاهر من أجل التركيز على العبادة أي التقليل من العزائم الكبيرة في رمضان وتعويض من جرى الاعتذار عن دعوته في التالي من الأيام أو في العيد مثلا، فذلك أنجع سبيل للتفرغ من الدنيا وتفرغ القلب للعبادة، ففي ذلك راحة للنفس وسكينة للفؤاد وبركة في المال والوقت.

وليت المرأة تبحث عن فقير أو محتاج لتفطره وليس شرطًا أن يجلس وسط الأسرة إلى مائدة الطعام لكي يفطر إنما يكفي إرسال طعام الإفطار إليه، فمن أفطر صائما كان له مثل أجر الصائم.. رمضــان كريـــم.

صبحة بغورة
متخصصة في كتابة المقالات السياسية والقضايا التربوية

اقرأ أيضًا: صبحة بغورة تكتب: البعد الاجتماعي لمعنى الرحمة في رمضان

الرابط المختصر :
close

مرحبا 👋

سعداء بالتواصل معكم
قم بالتسجيل ليصلك كل جديد

نحن لا نرسل البريد العشوائي! اقرأ سياسة الخصوصية الخاصة بنا لمزيد من المعلومات.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق